اختفت من السجلات عام 1944… وظهرت بعد 15 سنة فوق شجرة!

لمحة نيوز

ذلك بكت لساعات طويلة في صمت تام والدموع تنساب دون صوت.
لم يكن ذلك بكاء ارتياح بل رعبا خالصا. دليلا على أن العالم ما زال موجودا وأنها لا تستطيع العودة إليه.
منذ ذلك اليوم كانت تنام مربوطة بالأغصان بألياف نباتية بدائية. إن سقطت ماتت. وإن شوهدت ماتت. لم تعد الشجرة تحميها من الآخرين فقط بل تحمي العالم منها أيضا.
ومع مرور السنوات صار جسدها غريبا نحيلا زاويا بلون شاحب دائم. نما شعرها مجددا لكنه كان رقيقا وغير متساو. أما عيناها فبقيتا يقظتين صافيتين على نحو يبعث القلق.
بدأت تكتب لا على ورق فلم يكن هناك ورق بل في الذاكرة. أنشأت روايات ذهنية كاملة تواريخ تقريبية تسلسلات منطقية. خزنت كل شيء وكأنها ستحتاج يوما لإثبات أنه حدث فعلا. قالت لنفسها إن نجوت سيقولون إن هذا كذب.
وفي العام السادس توقفت عن عد السنوات. فالسنوات تؤلم أكثر من اللازم. بدأت تعد الفصول فقط ربيع يعني حشرات أكثر وجوعا أقل. صيف يعني خطر أن ترى. خريف يعني استعدادا مهووسا. شتاء يعني انتظارا شبه ساكن.
وفي تلك الفترة تغير شيء نهائيا داخلها. لم تعد تنتظر الخلاص لا لأنها استسلمت بل لأنها أدركت أن أحدا لن يأتي. لم تعد أسيرة تنتظر التحرير بل ناجية خارج النظام.
جلب هذا الإدراك سكينة غريبة. توقفت عن تخيل اللقاءات. توقفت عن تخيل العدالة والتفسيرات. فكل ذلك يتطلب عالما لم يعد حقيقيا بالنسبة لها. الشجرة كانت حقيقية. الألم كان حقيقيا. اللحظة الحاضرة كانت حقيقية.
في العام الثامن كانت تتحرك بين الأغصان بدقة صامتة كأنها ولدت هناك. لم تكن جزءا من الغابة لكن الغابة تعلمت احتمالها.
وفي العام العاشر أصبح الخطر الأكبر عقلها. بدأت أفكار
متكررة ثم فجوات ذاكرة ثم الإحساس الدائم بوجود شخص معها حتى حين لا أحد هناك. كانت تعرف أنه وهم وهذا ما جعله أكثر رعبا. الدماغ البشري لا يحتمل العزلة المطلقة فإذا حرم طويلا من البشر يصنع حضورا وهميا صوتا حركة رفقة متخيلة.
فرضت قواعد جديدة لا تجيب الأصوات. لا تتبع أوامر داخلية غير عقلانية. لا تثق بالمشاعر المفاجئة. أنشأت بروتوكولا ذهنيا كأنها تتعامل مع خلل في نظام إن كانت مشاعر مفاجئة فتجاهلها وإن كان منطقا متصلا فقيمه.
حولت سلامتها العقلية إلى تجربة مضبوطة لكن الجسد بدأ ينهار. نقص الغذاء سبب نوبات وهن شديد. وفي صباح ممطر انزلقت جزئيا من غصن وبقيت معلقة بحبل بدائي لساعات حتى جمعت القوة لتنهض. بعدها بدأت تقبل احتمال الموت هناك لا كهزيمة بل كنهاية محتملة. وهذا القبول على نحو paradox جلب وضوحا.
بدأت تستعرض حياتها للحفاظ على هويتها من أنا ماذا أعرف ماذا أفكر كانت تكرر حقائق موضوعية كأنها مراس اسمي ليا مورغنشتيرن. ولدت عام 1923. أنا موجودة.
في العام الحادي عشر جاء شيء غير متوقع أثر غير مباشر للبشر. وجدت بقايا وجود إنساني قريب قماشا ممزقا آثار أقدام قديمة رمادا باردا. ليس جديدا لكنه كاف لكسر وهم العزلة المطلقة. دخلت حالة يقظة دائمة. صارت تنزل أقل. تمكث أياما بلا لمس للأرض. وبدأت الشجرة تظهر علامات إنهاك أغصان تتكسر في العواصف. خطر السقوط يزداد مع كل موسم.
حينها اتخذت قرارا جريئا تغيير الشجرة. كانت تلك اللحظة أخطر انتقال في بقائها كله. درست الأرض أسابيع. حسبت المسافات والوقت والظلال. اختارت ليلة بلا قمر. نزلت في صمت تام وركضت. كل خطوة كانت كطلقة. كل غصن ينكسر تحت قدمها كان
كحكم موت.
الشجرة الجديدة كانت أكبر وأقدم جذورها أعمق وتاجها أكثر كثافة لكنها لم تكن مألوفة. اضطرت لإعادة تعلم كل شيء أنماط جديدة مخاطر جديدة مخابئ جديدة. هناك بلغ العزل ذروته. بلا أي مرجع بشري لسنوات بدأت تفقد الإحساس بالعمر. لم تعد تعرف كم صار عمرها. ولم تعد تعرف كيف ينبغي أن يبدو وجه إنسان. وحين حاولت التذكر جاءت الوجوه مشوهة ومغبشة. بدأت تتجنب التفكير فيما بعد. فما بعد يحتاج عالما ربما لم يعد موجودا.
في العام الثالث عشر كاد جسدها يستسلم بالكامل. أصيبت بعدوى في ساقها ربما من جرح قديم. ارتفعت حرارتها. هلست. أغمي عليها. كانت مقتنعة أنها ستموت. وفي تلك الحالة فعلت شيئا لم تحك تفاصيله لاحقا نزلت نهارا مترنحة قذرة غير قابلة للتعرف زحفت إلى جدول صغير وغمست ساقها المصابة مرارا. صرخت من الألم وبكت. وتكلمت بصوت عال لأول مرة منذ سنوات. لم يحدث شيء. لم يظهر أحد. عادت إلى الشجرة عند المساء منهكة لكنها حية. تراجعت العدوى ببطء خلال الأيام التالية. جسدها صمد مرة أخرى لكن شيئا تغير بلا رجعة لم تعد إنسانة مختبئة فقط بل صارت إنسانة خارج الزمن.
في الشتاء الخامس عشر شعرت بأن الهواء يحمل شيئا مختلفا. لم يكن طقسا ولا غريزة حيوان. كان إحساسا غريبا بحركة بعيدة منتظمة منظمة. كان العالم يتغير. لم تكن تعلم أن الحرب انتهت منذ سنوات وأن المدن أعيد بناؤها وأن الناس عادوا وأن الأرشيفات فتحت وأن أحدا ما في مكان ما بدأ يسأل عن أسماء لم تعد.
لم تكن تعلم ذلك لكنها لأول مرة منذ خمسة عشر عاما فكرت فكرة جديدة ربما لا أحتاج أن أموت هنا.
لم تستطع تحديد اليوم الذي قررت فيه النزول للأبد. لم يكن هناك وحي
ولا شجاعة مفاجئة بل إرهاق عميقليس من الجسد فقط بل من التعليق بين حالتين ألا تموت وألا تعيش.
ومع بداية الربيع نزلت عند الفجر. كانت الشمس تتسلل بين الأشجار بخيوط غير منتظمة تضيء ذرات الغبار في الهواء. وقفت طويلا وقدماها تغوصان في الطين الرطب تشعر بالأرض كأنها سطح غريب شبه عدائي.
كانت قد نسيت كيف تمشي مسافات طويلة. كل خطوة مؤلمة. ظهرها يحتج. عضلاتها ترتجف. جسدها الذي تشكل عبر خمسة عشر عاما من التكيف العمودي لم يعد يعرف أفقية العالم. ومع ذلك مشت بلا اتجاه محدد تتبع انحدارا طبيعيا متخيلة أن الماء والناس غالبا ما يتجاورون.
كانت فكرة بسيطة على نحو لا يليق بعقلها لكن البساطة كانت آنذاك سبيل النجاة.
بعد ساعات وربما أيام سمعت صوتا لم تسمعه منذ زمن طويل حتى كادت لا تتعرف إليه صوت ميكانيكي منتظم محرك. اختبأت بغريزة قديمة تسلقت جزئيا شجرة أصغر. اقترب الصوت صار أوضح مركبة.
عندما ظهرت الشاحنة على الطريق الترابي كانت قد حسمت أمرها إن رآها أحد فلن تهرب.
أوقف السائق شاحنته فجأة لا لأنه عرفها بل لأنه لم يستطع تفسير ما يراه. خرجت من بين النبات هيئة لا تشبه شيئا مألوفا نحيلة للغاية مغطاة بآثار قديمة ترتدي ثيابا مرتجلة ملتصقة بالجسد شعرها طويل فوضوي مختلط بأغصان يابسة. رفعت يديها ببطء وتكلمت. خرج الصوت أجش متقطعا لكنه مفهوم
أنا إنسانة.
نزل السائق مصعوقا نظر حوله كأنه ينتظر تفسيرا منطقيا يخرج من العدم. ثم نادى رجالا كانوا يعملون قرب الطريق. لم يعرف أحد ماذا يفعل. استدعوا طبيبا محليا ثم السلطات ثم شخصا يتقن الألمانية. ألفت بالأغطية وأجلست تحت نظرات مشدوهة كأنها بقايا شيء لا يمكن تصديقه.
لم
تبك. لم تبتسم. كانت تراقب
تم نسخ الرابط