اختفت من السجلات عام 1944… وظهرت بعد 15 سنة فوق شجرة!
كانت أوروبا الوسطى في ربيع عام 1944 تعيش صباحا هادئا على نحو مريب هدوءا لا يليق بقارة تشتعل بالحرب. في ذلك اليوم جرى شطب اسم شابة من سجل رسمي جردت من كل ما كان يمنحها صفة الإنسان وفصلت عن العالم الذي عرفته. ما حدث بعد ذلك لم يذكر في كتب التاريخ ولم يسجل في الأرشيفات العسكرية وظل لعقود يعد أمرا مستحيلا.
إن ما ستقرأه هنا رواية تتحدى كل منطق تقليدي للبقاء. قصة تبدأ بالاعتقال وتعبر صمتا مطبقا وتنتهي بعودة لم يكن أحد مستعدا لتصديقها. لا شيء في هذه القصة مريح ولا شيء فيها صنع ليصبح أسطورة.
قبل أن تستمر تخيل فقط أن اسما يمكن أن يمحى من السجلات لا بوصفه خطأ إداريا بل وكأن صاحبه لم يوجد أصلا. لم يكن اسمها واردا في أي قائمة رسمية للأسرى الذين أفرج عنهم بعد الحرب وكان ذلك وحده أمرا غريبا. ففي سجلات معسكرات العمل ومستشفيات النازحين وملاجئ الإغاثة التابعة للصليب الأحمر وجدت آلاف الأسماء المكررة والأخطاء الإملائية والتواريخ غير الدقيقة لكن اسمها لم يظهر أصلا كأنها لم تعتقل يوما وكأنها لم تهرب وكأنها لم توجد قط.
كان اسمها ليا مورغنشتيرن. ولدت عام 1923 الابنة الوحيدة لأستاذ رياضيات وعازفة كمان. منذ طفولتها عرفت بذكاء استثنائي. في سن التاسعة كانت تحل مسائل جبرية يعجز عنها كثير من البالغين وفي الثانية عشرة كانت تصحح أخطاء معلميها وفي الخامسة عشرة أتقنت أربع لغات بطلاقة عملية. لكن شيئا من ذلك لم يكن كافيا لحمايتها.
عندما بدأت حملات الترحيل كانت في التاسعة عشرة. فصلت عن والديها عند أول تفتيش ولم ترهما بعد ذلك أبدا. كان مصيرها الأول معسكر عمل مرتجل حيث سرعان ما جذب ذكاؤها انتباها خطرا. كانت تحسب
لم يعاقبها الضابط فورا بل اكتفى بالنظر إليها لثوان طويلة ثم دون شيئا. بعد أسبوعين أخرجت ليلا من مكانها. لم يكن هناك تفسير ولا محاكمة ولا تسجيل رسمي. أدخلت إلى مؤخرة شاحنة مغلقة مكبلة اليدين وغطاء سميك يحكم على رأسها.
استمرت الرحلة ساعات وربما أياما. فقدت الإحساس بالزمن تماما. وعندما توقفت الشاحنة كان الصمت مطبقا. لم يكن هناك باب يفتح على معسكر ولا صراخ ولا أسلاك. نزعت الأصفاد وانتزع الغطاء عن رأسها بعنف. كانت تقف وسط غابة كثيفة. قال أحد الرجال جملة واحدة إن هربت تموتين. وإن بقيت فربما تعيشين. ثم دفعوها إلى الأمام وغادروا.
ركضت بلا اتجاه بلا خطة حتى سقطت منهكة رئتاها تحترقان وجسدها يرتجف. ومع حلول الليل تسلقت أول شجرة كبيرة صادفتها لا بدافع التخطيط بل بدافع الخوف. وما لم تكن تعلمه آنذاك ولم تفهمه إلا بعد سنوات أن هذا الفعل العفوي هو ما أنقذ حياتها.
في الأيام التالية لاحظت أمرا مقلقا لم يبحث عنها أحد. لا كلاب لا طلقات لا دوريات. كأن التخلي عنها كان مقصودا. لكن الغابة لم تكن حيادية. المطر لا يتوقف. البرد ينفذ إلى العظام. الحيوانات تقترب ليلا. وكان أكثر ما يرعبها ليس صوت المفترسات بل غياب الصوت البشري تماما.
بدأت تراقب. تعلمت حركة الشمس بين الأغصان. سلوك الطيور. نمط الحشرات. حسبت المسافات والارتفاعات والاحتمالات. أدركت تدريجيا أن بعض الأشجار أكثر أمانا من غيرها. كانت هناك شجرة واحدة على وجه الخصوص جذعها عريض وتاجها كثيف وأغصانها مرتفعة
عادت إليها. صارت تلك الشجرة عالمها.
خلال الأشهر الأولى لم تكن تنزل إلا ليلا لتجمع ماء المطر المتجمع على الأوراق الكبيرة وبقايا الثمار الساقطة. فقد جسدها وزنه بسرعة. بدأ شعرها يتساقط. تشققت بشرتها. كادت تستسلم ثم حدث شيء.
في لحظة هذيان محموم قررت أنه إن كان لها أن تبقى حية فسيكون ذلك بالحساب والمنهج لا بالإيمان ولا بالأمل. بدأت تعد الأيام بخدش لحاء الغصن الرئيسي. أنشأت روتينا صارما. دربت جسدها على الصعود والنزول بصمت. تعلمت النوم على فترات قصيرة لتتجنب السقوط. لم تعد الشجرة مجرد ملجأ.
صارت سجنا وفي الوقت ذاته خلاصا.
مع نهاية العام الأول لم تعد تفكر في العودة بل في تحمل يوم إضافي فقط. لم تكن تعلم أنها ستعيش هناك خمسة عشر عاما ولا أن العالم سيظنها ميتة ولا أن أحدا لن يكون مستعدا لسماعها عند عودتها.
في العام الثاني لم يبدأ التغيير بيوم محدد بل بتحول داخلي. أدركت أن شيئا في داخلها انكسر وشيئا آخر تشكل مكانه. لم تعد الغابة خلفية صامتة بل نظاما كاملا. كل صوت له وظيفة. كل رائحة تحذير. كل تغير في الريح معلومة.
حلت المراقبة الصامتة محل الخوف الأعمى. لم تعد تعيش رغم الشجرة بل من خلالها. صار التاج سقفا والأغصان ممرات والجذع عمودا فقريا. تعرفت على الأغصان التي تتحمل وزنها بعد المطر وتلك التي تصدر صريرا خطيرا وتلك التي تجمع حشرات صالحة للأكل في مواسم معينة.
لم تسم ما تعيشه بقاء بل تكيفا قسريا. لم يخلق الجسد البشري لهذا. تشوهت المفاصل تدريجيا. فقدت قدماها جزءا من الإحساس. تغلظت الأظافر وتكسرت. وأصبح الألم ملازما لعمودها الفقري كأن جسدها يعيش في إنذار
لم تعد تعد الأيام فقط بل الدورات مواسم المطر الطويل فترات الجفاف القصيرة هجرات الطيور. رسمت خريطة ذهنية للغابة دون أن تجتازها. جعلت لكل شجرة قريبة اسما وظيفيا. كانت تهمس لنفسها بلغات مختلفة فقط لتحافظ على اللغة حية في داخلها أحيانا بالألمانية وأحيانا بلغة قديمة كانت تحفظها وأحيانا بالفرنسية كتمرين.
ليلا كانت تستعرض مسائل رياضية كاملة خطوة بخطوة حتى لا يتفكك عقلها. فالصمت الطويل قادر على تحطيم أي إنسان. لذلك وضعت قواعد صارمة لا نزول نهارا. لا نار. لا آثار واضحة على الأرض. ولا استخدام الغصن نفسه في النزول ليلتين متتاليتين.
لم تكن تعرف ممن تختبئ تحديدا لكنها كانت تعلم أن عليها أن تبقى غير مرئية.
في الشتاء الثالث كادت تموت. انخفضت الحرارة أكثر من المعتاد. الرطوبة منعت جسدها من حفظ الدفء. بقيت أياما عاجزة عن النزول. كانت ترتجف بلا توقف وبدأت رؤيتها تظلم تدريجيا.
هناك على الحافة خطرت لها فكرة سيعدها الأطباء لاحقا مستحيلة بدأت تخفض معدل أيضها إراديا. قللت حركتها إلى الحد الأدنى. نامت في دورات قصيرة لا تتجاوز عشرين دقيقة. تحكمت بتنفسها حتى صار سطحيا بالكاد يلاحظ. دخل جسدها في حالة قريبة من السبات.
بعد سنوات ستظهر الفحوص تغيرات عميقة في جهازها العصبي اللاإرادي لم يستطع أي مختبر إعادة إنتاجها. لكنها حينها لم تكن تفكر في العلم بل في عدم الموت.
في العام الرابع رأت بشرا مجددا. كان ذلك خطأ كاد يكون قاتلا. سمعت أصواتا بشرية من الأرض. رجال يضحكون ويتحدثون بصوت عال. تبول أحدهم قرب قاعدة الشجرة دون أن يرفع رأسه. تجمدت. شدت كل عضلاتها. شعرت بأن قلبها سيخرج من صدرها.