كان سيمرّ من دون أن يلتفت… لكن ما رآه بين النسور غيّر كل شيء

لمحة نيوز

أريد أن ينتهي هذا.
وحين جاء اليوم أخيرا عند الفجر رأيت الشرطة تدخل بيتا عاديا في حي عادي. وخرج الرجل ذو الندبة بوجه نائم كأنه ليس الشخص نفسه الذي دمر حيوات. قيدوه واقتادوه. شعرت براحة نعم لكن أيضا بحزن عميق. ففي التفتيش عثر على أدلة تشير إلى ضحايا أكثر بكثير مما تخيلت صور متعلقات أسماء قد لا تعود إلى بيوتها أبدا.
في ذلك اليوم فهمت أمرا قاسيا لم أكن مستعدا له إنقاذ ليتيسيا لم يكن خاتمة القصة ولا لحظة الانتصار التي يغلق عندها الجرح. كان مجرد بداية بداية حقيقة ثقيلة موجعة يفضل كثيرون أن يديروا ظهورهم لها كي لا يروا حجمها ولا يعترفوا بوجودها أصلا.
أما الرجل الآخر الأصغر سنا صاحب الوشم فما زال طليقا. ظل اسمه يتردد في التقارير وصورته
غير المكتملة تطفو في أحاديث الضباط. وجوده الحر كان يعني شيئا واحدا أن الخوف لا يختفي فجأة وأن الأمان لا يعود كاملا دفعة واحدة. لكنه كان يعني أيضا أن هناك خيطا أثرا واضحا وأن المطاردة لم تعد عشوائية بل صارت مسألة وقت وصبر وإصرار.
في تلك الليلة جلست على سرير بسيط في مكان الإقامة والسقف الأبيض فوقي بدا فارغا على نحو يشبه داخلي. فكرت طويلا في الطريق في تلك السنوات التي احتميت فيها بالإسفلت كي لا أشعر كي لا أتذكر كي لا أواجه الفقد الذي تركته زوجتي في داخلي. كنت أظن أن الهروب هو النجاة وأن الاستمرار في السير يكفي ليجعل الألم خلفي. لكن الطريق نفسه الذي ظننته ملاذا هو من أوقفني أخيرا وأجبرني على الاختيار أن أواصل كأن شيئا لم يكن أو أن
أتوقف وأنظر أن أكون شاهدا صامتا أو إنسانا مسؤولا.
في الصباح حين اتصلت بالشركة وطلبت وقتا إضافيا شعرت بشيء من التحرر. وللمرة الأولى لم يهمني أن أتأخر أو أن أخسر تسليما أو أن أحسب سائقا غير منضبط. كنت قد تعلمت درسا لا يكتب في أي دليل لسائقي الشاحنات أن الثقل الحقيقي الذي نحمله لا يكون أبدا وزن البضائع بل وزن القرارات التي نتخذها حين لا يكون هناك من يرانا.
وصلتني رسالة ليتيسيا عبر والدتها. كلمات قليلة بسيطة لكنها أثقل من أي حمولة قدتها في حياتي
شكرا لأنك لم تتابع الطريق. سأحاول أن أجعل هذه الفرصة الثانية تستحق.
ظللت أحدق في الشاشة طويلا حتى تشوشت الحروف واغرورقت عيناي. لم يكن ذلك بكاء حزن بل ارتباك شعور كنت قد نسيته الأمل. ذلك الإحساس
الخجول الذي يأتي حين تدرك أن ما فعلته مهما بدا صغيرا أحدث فرقا حقيقيا في حياة إنسان آخر.
وأنا الآن كلما تخيلت نفسي أعود يوما إلى ذلك الطريق BR135 والشمس منخفضة في الأفق والزيزان تغني نشيدها المعتاد والإسفلت يمتد بلا نهاية تحت العجلات أعرف أنني سأتذكر. سأتذكر أن الطريق قد يكون قاسيا صامتا لا مباليا لكننا نحن لسنا مضطرين لأن نكون مثله.
لأن أفعالا بسيطة أحيانا أن تخفف السرعة أن تتوقف أن تنزل من الكابينة أن تبعد النسور أن ترفع إنسانا عن الأرض قد تكون كافية لكسر خطة القساة ولإرباك شر كان يظن نفسه آمنا.
قد تنقذ حياة.
وقد تنقذك أنت أيضا من نفسك ومن صمتك ومن ذلك الجزء في داخلك الذي اعتاد أن يمر من دون أن ينظر حتى وإن لم تفهم ذلك في اللحظة
نفسها.

تم نسخ الرابط