قالت: «أتحدث تسع لغات»… فضحك القاضي، ثم سقط صامتًا أمام الجميع!
في القاعة رقم ثلاثة من المحكمة العليا كان الهواء ثقيلا كأن كل نفس لا يؤخذ إلا بعد جهد. كانت المقاعد ممتلئة ومع ذلك خيم شعور غريب بالفراغ ذلك الصمت غير المألوف الذي يظهر حين يشعر الجميع أن ظلما وشيكا على وشك الوقوع لكن لا أحد يعرف كيف يوقفه. في الخارج كان النهار يمضي بشكل طبيعي أما في الداخل فكانت حياة مراهقة معلقة بخيط رفيع.
كانت ماريانا توريس في السادسة عشرة من عمرها ويداها مكبلتان بالأصفاد. كان المعدن البارد يترك أثره على معصميها لكن ما جعلها ترتجف لم يكن الألم بل الغضب المكبوت. كان وجهها شاحبا وشعرها الداكن منسدلا بلا نظام على كتفيها ومع ذلك لم يكن في عينيها أي استسلام. كان هناك شيء أصلب من الخوف الكرامة. تلك الكرامة التي غالبا ما تنمو في الأحياء الفقيرة حيث يتعلم الناس منذ الصغر أن العالم لا يمنح شيئا مجانا لكنه يعلمهم أيضا كيف يرفعون رؤوسهم حتى حين يطلب منهم أن يطأطئوها.
بدت التهمة في حد ذاتها عبثية إلى درجة أنها في سياق آخر كانت ستثير الضحك تزوير وثائق بعدة لغات. بحسب الادعاء فإن ماريانا قامت بصناعة أوراق غير قانونية مكتوبة بلغات مختلفة وكأن فتاة من أسرة بسيطة تملك مطبعة سرية وشبكة دولية للاحتيال. لكن العبث لا يوقف الظلم بل على
في الصف الأول جلست والدتها دون لوسيا خياطة ذات يدين متعبتين ونظرة ثابتة. كانت تضغط منديلا على صدرها كأن القماش قادر على تثبيت قلبها في مكانه. لم تبك بصوت عال كانت دموعها صامتة منضبطة مثل كل شيء في حياتها. سنوات طويلة قضتها تخيط ملابس الآخرين كي توفر لابنتها الدفاتر وكي لا ينقص الطعام وكي تصمد الأحذية شهرا إضافيا. وها هي الآن تراها هناك مقيدة بالأصفاد واقفة أمام قاض بدا كأنه يستمتع بكل دقيقة من المشهد.
طرق القاضي إستيبان فوينتيس بمطرقته فقطع الصوت همهمة القاعة. كان يمتلك ذلك النوع من السلطة الذي يتحول إلى عادة رداء ثقيل ولسان ساخر ونظرة تقول دائما أنا الآمر هنا وأنتم فقط تطيعون. وعندما نظر إلى ماريانا ضيق عينيه كأنه حسم أمره بشأنها قبل أن يسمع كلمة واحدة.
قال بنبرة مشبعة بالتهكم كمن يعلن نكتة قبل أن يلقيها
إذن أنت أيتها الفتاة تزعمين أنك تتحدثين تسع لغات
ضحك بعض الحاضرين. كانت ضحكة قصيرة متوترة قاسية. شعرت ماريانا بها كصفعة لكنها لم تنزل عينيها. رفعت ذقنها بثبات.
قالت بوضوح
نعم سيدي القاضي. أتحدث تسع لغات.
ساد صمت فوري كأن أحدهم قبض على الهواء بيديه.
أطلق القاضي ضحكة عالية مبالغا فيها بثقة من يظن أن العالم ملكه
تسع لغات حتى زملائي في الجامعة لا يتقنون هذا العدد. أتريدين منا أن نصدق أن فتاة من حي شعبي بلا مال ولا معلمين خاصين تعرف أكثر من أصحاب الدكتوراه هذه محكمة يا آنسة لا سيرك.
سقطت عبارة فتاة من حي شعبي كوصمة قذرة على القاعة. لاحظت ماريانا كيف انكمشت أمها في مقعدها لا خجلا من نفسها بل ألما من الإهانة الموجهة لابنتها. وفي تلك اللحظة تذكرت ما كانت لوسيا تردده لها منذ الطفولة حين كانت الكهرباء تنقطع ويدرسن على ضوء شمعة الحقيقة تلمع أكثر من الكذب مهما حاولوا إطفاءها.
نهض المدعي العام راميريز بابتسامة راضية. كان يرتدي بدلة رمادية وشاربه مشذب بعناية وتملأه ثقة من يظن أن النصر في جيبه.
قال وهو يمشي ببطء
حضرات هيئة المحكمة ما لدينا هنا مراهقة تعاني أوهام العظمة. تزعم أنها تتحدث تسع لغات لكنها لم تقدم دليلا واحدا. مجرد قصص خيالية لتشتيت الانتباه. أليس كذلك يا آنسة توريس
نظرت إليه ماريانا دون أن ترمش.
قالت
لم يسمح لي بالكلام حتى الآن. لكن إن أردتم أستطيع أن أثبت ذلك هنا الآن.
عادت الضحكات أعلى هذه المرة كالسكاكين تحاول شق صدرها. أسند القاضي ذقنه إلى يده مستمتعا.
قال
إثباته هنا هل تظنين
أخذت ماريانا نفسا عميقا. لم ترد أن تصرخ. لم ترد أن تتوسل. أرادت شيئا أخطر أن تقول الحقيقة.
قالت
إن كنتم تريدون أدلة على ذنبي فابحثوا عنها في الملف. أما إن كان هدفكم السخرية مما أعرفه فاسمحوا لي أن أظهره. لأن ما أعرفه قد يفضح أنني لست الوحيدة التي تكذب هنا.
ارتفع همس في القاعة كالموج. وللمرة الأولى شعر القاضي بعدم ارتياح خفيف كشوكة دقيقة في الجلد. ضرب بالمطرقة.
قال وهو يميل إلى الأمام
حسنا يا آنسة توريس. إن كنت مصرة فاعلمي أنني لن أسمح بخداع المحكمة بجمل محفوظة من الإنترنت. إن كنت فعلا تتقنين تسع لغات فعليك أن تنطقي ببضع كلمات في كل واحدة منها.
صفق المدعي العام بسخرية كأنه يحتفل بسقوطها مسبقا. تقدمت ماريانا خطوة إلى الأمام وكان رنين الأصفاد واضحا في الصمت.
ثم تكلمت.
قالت بالإنجليزية بلفظ صاف بلا تردد
اسمي ماريانا توريس.
شهق الجمهور جماعيا. ولم تتوقف.
تابعت بالفرنسية بنبرة واثقة
أنا متهمة ظلما لكنني لن أستسلم.
ثم بالبرتغالية
الحقيقة لا تحتاج إلى خوف فهي دائما تجد طريقها إلى النور.
بدأت الأفواه تنفتح دون وعي. رمش القاضي بذهول. واصلت ماريانا كلمات بالعربية ذات إيقاع موسيقي ثم بالماندرين