دخل المستشفى صامتًا… وبعد دقائق تغيّر كل شيء

لمحة نيوز

هل رأيت يوما طفلا يطلب أبا من أكثر رجل وحدة في المدينة
كانت سينتيا نوغيرا تفرك أرضية المكتب في الطابق العلوي من أحد الأبراج في مدينة فلوريانوبوليس حين اندفع ابنها لوكا البالغ من العمر سبع سنوات راكضا نحو الداخل.
كان في العادة يجلس بهدوء منشغلا بأقلامه وألوانه لكن عينيه في ذلك اليوم كانتا تلمعان بشجاعة غير مألوفة.
كان إدواردو فالينسا مالك الشركة يراجع العقود وهو جالس على كرسيه المتحرك ساكنا كأن الزمن قد توقف عنده وكأن العالم كله واصل السير من دونه.
توقف لوكا أمامه مباشرة وقال من دون تلعثم
يا عم هل يمكن أن تكون أبي أبي اختفى وأمي تبكي بصمت في الحمام.
سقطت المكنسة من يد سينتيا.
تطايرت الأوراق.
وساد صمت ثقيل حتى خيل أن الهواء نفسه يعتذر عما قيل.
سحبت سينتيا الطفل من ذراعه ووجنتاها تحترقان خجلا.
رفع إدواردو كفه طالبا الهدوء.
كانت عيناه اللتان لم تسمحا للدموع بالانهمار منذ عامين تفيض فجأة.
منذ الحادث الذي أودى بزوجته إيزابيلا عاش حبيس تلك الشقة محاطا بالترف والفراغ.
قال إدواردو بصوت خافت
دعيه يتكلم.
حكى لوكا أنه كان يحدثه كل يوم بينما

كانت أمه تنظف الغرف الأخرى.
قال إن إدواردو كان دائما يصغي وإن المكان كان يصبح أقل برودة حين يضحك أحد.
ثم فتح دفترا مهترئا وأراه رسما
ثلاث شخصيات امرأة ورجل على كرسي متحرك وطفل يمسكون أيدي بعضهم.
وقال بفخر
هذه عائلتنا.
على الشرفة حاولت سينتيا أن تضع مسافة
نحن من عالمين مختلفين. سيتعلق بك ثم يتألم.
أجابها إدواردو بجملة آلمت وشفت في آن واحد
أنا أتألم وحدي أصلا. ومعكما يمكنني أن أعيش.
بدأت عطلات نهاية الأسبوع على أنها مجرد زيارات.
ثم تحولت إلى متنفس.
كانت سينتيا ترى ابنها يركض في الممرات كأن الطفولة وجدت مكانها هناك.
وكان إدواردو الجاف المنغلق يبدأ في انتظار صوت الضحكات.
كان يعلم لوكا الشطرنج ويحكي له قصصا عن طفولته في كوريتيبا ومن دون أن يشعر عاد يبتسم.
لكن سينتيا كانت تستشعر الخطر الفرح الزائد غالبا ما يطالب بثمن.
حتى مرض لوكا فجأة ألم حاد في بطنه.
في مستشفى سانتا أورورا تحدث الطبيب عن جراحة عاجلة.
كانت سينتيا ترتجف بلا مال بلا تأمين.
دفع إدواردو التكاليف وبقي هناك طوال الليل.
وأمسك لوكا بيده كما لو كان يمسك قدره.
بعد أيام قليلة
وبينما كان لوكا يعبث بدفاتره بحثا عن ألوانه انفتح أحد الأدراج مصادفة.
تجمد في مكانه حين وقعت عيناه على أوراق مرتبة بعناية تحمل أسماءهم جميعا وتواريخ وملاحظات لم يفهم معناها لكنه شعر بثقلها.
أخذ الدفتر الصغير وخرج به إلى أمه.
ما إن قرأت سينتيا العناوين حتى تغير وجهها.
تراكم الغضب في صدرها وانفجر دفعة واحدة.
واجهت إدواردو وصوتها يرتجف بين الخذلان والخوف
هل حققت في أمرنا هل كنت تراقبنا طوال هذا الوقت
لم يتهرب.
لم ينكر.
قال بصوت منخفض صادق خال من الدفاع
كنت خائفا خائفا أن أؤذيكما من دون قصد. أردت أن أعرف لا لأسيطر بل لأحمي.
لكن الكلمات لم تكن كافية.
ثم جاءت الحقيقة التي قلبت كل شيء رأسا على عقب.
قالها إدواردو كما تقال الاعترافات الثقيلة
والد لوكا البيولوجي ريناتو لم يكن غريبا بل كان شقيقه المفقود منذ سنوات.
ساد صمت طويل.
صمت لا يحتمل.
غادرت سينتيا المكان وقلبها مثقل بالجراح كأن كل خطوة تخطوها كانت تسحب خلفها خيبة لم تجد لها اسما.
لم تحتمل أن تجمع في لحظة واحدة بين الحب الذي بدأ ينمو والشك الذي هز ثقتها والقدر الذي كشف وجهه القاسي فجأة.

كانت تحتاج إلى هواء إلى مسافة إلى صمت تفهم فيه ما الذي انكسر بالضبط.
عادا إلى البيت الصغير في ساو جوزيه ذلك البيت الذي كان بالكاد يتسع لأحلام بسيطة فإذا به الآن يضيق بصاحبيه.
لم يكن الأثاث قد تغير ولا الجدران لكن الروح التي كانت تملأ المكان غابت.
ذبل لوكا.
لم يكن مرضا ظاهرا بل انسحابا بطيئا من الطفولة.
توقف عن الرسم وترك دفاتره مفتوحة على صفحات بيضاء.
لم يعد يركض في الممر ولم يعد يطرح أسئلته التي لا تنتهي.
صار البيت أكثر صمتا مما يحتمل حتى إن الجدران بدت كأنها تفتقد صوته وتنتظر ضحكته التي لم تعد تأتي.
مرت الأيام ثقيلة بطيئة متشابهة إلى حد الإيلام لا فرق فيها بين صباح وصباح ولا بين ليل وليل.
كانت سينتيا تستيقظ كل يوم على الصمت نفسه وتنام على القلق ذاته إلى أن اشتعلت الحمى في جسد لوكا الصغير ذات
ليلة باردة من دون إنذار.
ارتفعت حرارته فجأة واحمر وجهه وارتجف بين ذراعيها كعصفور مبتل فعاد الخوف القديم ليطرق صدرها بقسوة لكن هذه المرة كان أشد وأقسى لأنه جاء بعد خسارة أخرى وبعد تعب ظنت أنها تجاوزته.
حملته مسرعة إلى المستشفى وقلبها يسبق
خطواتها وأفكارها تتزاحم بلا ترتيب.
كانت تهمس باسمه تشده إلى صدرها
تم نسخ الرابط