سافرت 12 ساعة لأرى حفيدي… فطردني ابني من المستشفى ثم كتب اسمي على فاتورة الولادة

لمحة نيوز

يقولون إن أعلى صوت في العالم ليس انفجارا ولا صرخة بل هو صوت باب يغلق حين تكون واقفا على الجهة الخطأ منه.
بالنسبة لي كان ذلك الباب مطليا بلون بيج صناعي معقم يقع في الطابق الرابع من مستشفى سانت ماري في مدينة نيويورك. كان الممر يفوح برائحة المطهرات وشمع الأرضيات وهي رائحة عادة ما تدل على النظافة لكنها في تلك الليلة لم تكن تعني سوى الرفض.
كنت قد سافرت اثنتي عشرة ساعة على متن حافلة غرايهاوند. كانت كاحلاي متورمين ينبضان ألما داخل حذائي الجلدي. وكان فستاني الأزرق الداكن الذي اشتريته خصيصا لهذه اللحظة يبدو ثقيلا ومجعدا. قضيت الرحلة بأكملها أحدق من نافذة غطاها الضباب أراقب المشهد الأمريكي وهو يتبدل من تلال تينيسي المتدرجة إلى فولاذ المدينة الرمادي وأتخيل وزن حفيدي بين ذراعي.
لكنني وأنا أقف تحت أضواء الفلوريسنت المرتجفة أدركت أنني قطعت كل تلك المسافة لأتحول إلى شبح.
كان دانيال ابني الصبي الذي كنت أضمد ركبتيه المجروحتين والذي كنت أفرك الأرضيات لأدفع تكاليف دراسته الجامعية يقف على بعد ثلاثة أقدام مني. لم يجرؤ على النظر في عيني. كان ينظر إلى الأرض وإلى مكتب التمريض وإلى أي شيء سوى المرأة التي أنجبته.
قال هامسا وصوته مثقل بخجل كان يجب أن يكون من نصيبي لكنه لم يكن
أمي أرجوك لا تضغطي. فاليري

تريد أن يكون الحضور مقتصرا على عائلتها المباشرة.
تعلقت الكلمات في الهواء معلقة في الصمت.
العائلة المباشرة.
نظرت إليه أبحث عن الطفل الذي كان يتشبث بساقي أثناء العواصف الرعدية. بحثت عن المراهق الذي انهار باكيا بين ذراعي حين توفي والده. لكن ذلك الصبي لم يعد موجودا. حل مكانه رجل يرتدي قميصا أنيقا يراني لا كأم بل كخطأ تنظيمي يحتاج إلى تصحيح.
قلت بهدوء لم أتوقعه
أفهم.
وأضاف مترددا
إنها متعبة يا أمي. هي فقط لم تكن مرتاحة لك يوما. أنت تعرفين ذلك.
أومأت ببطء. لم أصرخ. لم أذكره بأنني الجدة. كانت أمي تقول لي دائما إن الصمت هو الدرع الوحيد المتبقي عندما يحاول العالم أن يسلبك كرامتك.
قبضت على حزام حقيبتي الجلدية البنية القديمة تلك التي أهدتني إياها أمي حين بلغت الثلاثين واستدرت. سرت في ذلك الممر الأبيض الطويل مررت بغرف مليئة بالضحك والبالونات وبجدات يحملن أطفالا حديثي الولادة ودموع الفرح في أعينهن. مررت باحتفال الحياة وخرجت مباشرة إلى هواء فبراير القارس في الشارع دون أن ألتفت خلفي.
نزلت في فندق رخيص بجدران رقيقة من النوع الذي تسمع فيه صوت التلفاز من الغرفة المجاورة. جلست على حافة السرير المترهل أحدق في شاشة هاتفي المظلمة. لم أكن أعلم آنذاك أن الصمت بيني وبين ابني لم يكن مجرد توقف مؤقت بل
كان بداية حرب وقد أطلقت أولى طلقاتها.
ولكي تفهم حجم ذلك الرفض عليك أن تفهم ثمن التذكرة التي أوصلتني إلى هناك.
اسمي إيمي كارتر. ولدت في ناشفيل ونشأت على فطيرة التفاح وعقيدة العمل الجاد. تزوجت روبرت عندما كنت في الثانية والعشرين. كان رجلا قليل الكلام واسع القلب يملك متجر أدوات صغيرا. عشنا حياة بسيطة ودافئة إلى أن سقط ذات يوم بنوبة قلبية حين كان دانيال في الخامسة عشرة.
رحل روبرت بهدوء كشمعة أطفأتها مسودة في غرفة قديمة. وتركني مع ابن مراهق ومتجر فاشل وجبل من الديون.
لم أحزن كما تحزن الأرامل الثريات بالسواد الطويل وأشهر من الراحة. حزنت وأنا أمسك بالممسحة. بعت المتجر لسداد الدائنين. عملت ليلا في تنظيف عيادات الأسنان وأصبحت رائحة المبيض عطري الدائم. وفي النهار كنت أعمل موظفة استقبال. خشنت يداي بعد أن كانتا ناعمتين من عجن العجين.
لكنني كنت أبتسم. كنت أبتسم من أجل دانيال.
كان شمسي. ذكيا طموحا طيب القلب. كنا نحل الواجبات معا على طاولة المطبخ حتى ساعات متأخرة. وحين قبل في برنامج الهندسة بجامعة شيكاغو رقصنا في مطبخنا الصغير.
قال لي بعينين متألقتين
سأبني جسورا يا أمي وسأسمي أكبرها باسمك.
قلت وأنا أربت على شعره
سمه باسم أبيك.
فابتسم وقال
إذن سيكون جسر روبرت وإيمي.
صدقته. صدقت أننا فريق واحد
صهر في نار الفقد. وحين انتقل إلى نيويورك لوظيفة مرموقة أفرغت حساب مدخراتي لأدفع عربون سكنه. ساعدته في توضيب أغراضه. تركته يذهب لأن هذا ما تفعله الأمهات. نحن منصة الانطلاق لا السقف.
كان التغير بطيئا كتآكل الساحل. تحولت المكالمات اليومية إلى أسبوعية ثم إلى رسائل شهرية.
ثم جاءت فاليري.
كانت مهندسة معمارية. ثرية. مثقفة. ابنة الطبقة الراقية في نيويورك. حين أخبرني دانيال عنها أخيرا تغير صوته. صار يتحدث بنبرة جديدة يحاول أن يبدو راقيا وأن يتخلص من لكنته الجنوبية التي نشأ عليها.
قال
إنها مختلفة يا أمي. عائلتها عريقة.
حاولت. والله حاولت. أرسلت البطاقات. طلبت اللقاء بها. قوبلت بالأعذار. مشغولة. أمها تزورها. العمل مزدحم.
لم أدع للمشاركة في التخطيط للزفاف. لم أطلب لمرافقة اختيار الفستان. وعندما وصلتني الدعوة أخيرا شعرت وكأنها استدعاء لمحكمة لا احتفالا.
جلست في الصف الثالث.
كان الصفان الأولان ممتلئين بعائلة فاليري أمها وعماتها وقريباتها. جلست خلف عمود أراقب ابني وهو يتعهد بحياته لامرأة لم تكلف نفسها بكلمتين معي. وخلال الحفل ألقت والدة فاليري كلمة قالت فيها إن دانيال هو الابن الذي لم تنجبه.
جلست أحدق في كأس الماء المثلج وأدركت أنني أصبحت الأم التي تمنى لو لم تكن موجودة.
لكن الحمل ظننت أن
الحمل سيغير كل شيء. الطفل بداية جديدة.
تم نسخ الرابط