مليونير يرى عاملة في موقع بناء… وعندما اقترب منها توقّف قلبه
كان الغبار الرمادي يطفو في الهواء كضباب خفيف فوق موقع البناء. وعلى أطراف مدينة مكسيكو حيث يبتلع الطريق الدائري الأفق وتبدو التلال كأنها تراقب كل شيء كان هيكل مجمع سكني ضخم يرتفع أعمدة خرسانية حديثة الصب وقضبان حديد تشير إلى السماء ورافعات تدور بصبر يشبه صبر العمالقة.
في تلك الساعة كان الضجيج كيانا واحدا مطارق وآلات لحام ومحركات وأصوات تتقاطع بين صفارات حادة. ومع ذلك كان المهندس غوستافو ميندوزا رئيس شركة ميندوزا للإنشاءات يسير في المكان وكأن الصوت لا يمسه. في الثانية والستين من عمره كان ظهره المستقيم وخطواته الثابتة يمنحانه هيئة رجل علمته الحياة كيف لا يظهر أي تصدع.
إلى جانبه كانت لويزا فارغاس سكرتيرته منذ سنوات طويلة. لم تكن مجرد المرأة التي تنظم جدول أعماله بل كانت من تعرف صمته وأرقه والصور التي يحتفظ بها في درج مكتبه كما لو كانت آثارا مقدسة.
قالت له وهي تمسك بذراعه برفق
من هنا يا سيد ميندوزا لقد انتهوا من هيكل المبنى C.
أومأ غوستافو وهو يراقب الموقع بعين خبيرة. سأل عن الخلطة الخرسانية وجودة الفولاذ وتقدم العمل وفق الجدول الزمني. وكان رئيس العمال يجيبه بطاعة واعتزاز.
لكن عندما مروا بجانب مجموعة من العمال يقطعون قضبان الحديد ويلحمونها تلقى غوستافو صدمة حادة
بين العمال بخوذة صفراء وبذلة عمل مغطاة بالغبار وقفازات سميكة كانت هناك شابة تحمل كيسين من الإسمنت بقوة أدهشت بالنظر إلى بنيتها الجسدية. توقفت لثانية ومسحت العرق عن جبينها بظهر يدها وحين التفتت التقت عيناها بعيني غوستافو.
بالنسبة إليه انطفأ العالم.
لم يكن الشبه عابرا. لم يكن مجرد تقارب في الملامح. كان الأمر أشبه بصورة قديمة بدأت فجأة تتنفس. الانحناءة نفسها في الابتسامة. الطريقة نفسها في رفع الحاجبين عند التركيز. وتلك النظرة ذلك البريق أعاداه إلى أوجينيا زوجته كألم قديم عاد دون استئذان.
عادت الشابة إلى عملها غير مدركة للزلزال الذي أحدثته. تناولت عارضة خشبية وتناسقت مع أحد العمال وثبتت لوحا بدقة.
أما غوستافو فبقي جامدا في مكانه. شعر بأن الهواء ينسحب من صدره وبأن يديه ترتجفان.
سيدي خفضت لويزا صوتها بقلق.
لم يبعد غوستافو نظره عن العاملة.
اعرفي اسمها.
نظرت إليه لويزا لثانية واحدة وفهمت دون أن تسأل. ابتعدت بهدوء نحو رئيس العمال. أجبر غوستافو نفسه على السير لكن كل خطوة كانت جهدا كأنه يحمل حجرا غير مرئي. وكل ضربة مطرقة كانت ترتطم بصدره على إيقاع ذكرى.
هل يمكن أن يكون ذلك ممكنا
كان السؤال يخترقه كالصاعقة.
في تلك الظهيرة وقد عاد إلى مكتبه في طابق مرتفع بنوافذ واسعة
دخلت لويزا حاملة ملفا.
سيد ميندوزا لقد تحققت من أمر العاملة.
استدار غوستافو بسرعة. فتحت لويزا الملف وبدأت تقرأ بصوت هادئ كما لو كانت تخشى أن تكسر شيئا
اسمها فاليريا توريس. تبلغ من العمر تسعة وعشرين عاما. يظهر اسمها في بعض السجلات القديمة باسم فاليريا صوفيا. عاشت مع والدتها حتى قبل ثلاث سنوات. توفيت والدتها.
شعر غوستافو بأن ركبتيه قد خذلتاه.
فاليريا صوفيا.
على مكتبه صورة مؤطرة هو شاب وأوجينيا بابتسامة مشرقة وطفلة بعينين واسعتين تمسك قطعة حلوى. أسفل الصورة كتابة بقلم باهت فاليريا صوفيا خمس سنوات.
فتح غوستافو الدرج الذي نادرا ما كان يفتحه. أخرج ألبوما قديما. قلب الصفحات بأصابع مرتجفة حتى وصل إلى الصورة التي كانت تؤلمه أكثر من غيرها الطفلة بفستان أزرق تبكي من أمر تافه وفي شعرها مشبك لامع على شكل فراشة.
فالي همس وهو يلمس الصورة كما لو كان يلمس خدها.
بقيت لويزا صامتة احتراما لانهياره.
سيدي قالت أخيرا يجب أن نتأكد. نبحث أكثر عن الأم. عن أوجينيا.
رفع غوستافو رأسه بعينين حمراوين كأنه استيقظ
اعرفي كل شيء. وابحثي عن أي أثر لأوجينيا. توقفت عن البحث منذ سنوات لكن اليوم لا أستطيع.
حل الليل وهو مستيقظ جالس في غرفة جلوس منزله الواسع حيث الصدى ساكن دائم. تذكر آخر مرة رأى فيها أوجينيا صبرها المستهلك صوتها المتعب.
تذكر والدته هو السيدة هورتنسيا قاسية كالحجر تكرر أن المرأة عليها أن تتحمل وأن الابنة ليست ما ينتظر. تذكر أعذاره أنا مشغول سأصلح الأمر لاحقا سنتحدث لاحقا. وتحول لاحقا إلى عشرين عاما.
وفي يوم ما عاد إلى البيت فلم يجد سوى رسالة قصيرة
لم أعد أحتمل. لا تبحث عنا. لا تبحث عني. لا تبحث عن فاليريا.
بحث غوستافو عنهما. استأجر محققين نشر إعلانات طاف بالمكاتب سأل في المستشفيات قدم بلاغات. أنفق مالا وكبرياء وصحة. بلا نتيجة. ومع الوقت واصل العالم سيره وبقي هو مع الغياب.
حتى اليوم. حتى الخوذة الصفراء. حتى تلك الابتسامة.
في اليوم التالي عادت لويزا بوجه جاد.
سيد ميندوزا وجدت أوجينيا في سجلات الصحة. توفيت قبل ثلاث سنوات سرطان في الرئة. ونعم والدة فاليريا توريس هي أوجينيا ميندوزا قبل الزواج.
شعر غوستافو بأن شيئا ما ينكسر داخله بصوت لا يسمع.
لا تمتم وكأن الرفض قادر على تغيير شهادة وفاة.
خفضت لويزا نظرها.
كانت فاليريا معها حتى النهاية.
تبددت آمال لقاء