تبنّيتُ طفلة بعد حاډث مروّع… وبعد 13 عامًا اكتشفتُ الحقيقة التي غيّرت كل شيء
قبل ثلاثة عشر عاما كنت ممرض طوارئ حديث العهد بالمهنة أرتدي ملابس العمل كأنها زي لم أستحقه بعد. كانت يداي ترتجفان أحيانا وأنا أوقع السجلات وكنت أراجع كل تفصيلة مرتين. كان خۏفي الأكبر أن أرتكب خطأ لا يمكن إصلاحه.
في تلك الليلة وقبل منتصف الليل بقليل وصل البلاغ
حاډث تصادم لعدة مركبات. شخصان بالغان وطفلة واحدة.
ما إن اندفعت النقالات عبر الأبواب حتى امتلأت الغرفة بالفوضى المألوفةأصوات متداخلة أجهزة ترن وأحذية تحتك ببلاط الأرضية. أتذكر أن عيني التقتا بعيني الطفلة فورا. كانت في الثالثة من عمرها. صغيرة للغاية. ترتدي قميصا ورديا مخططا رقيقا على نحو لا يليق بالبرد الذي لا بد أنها كانت تشعر به.
لم ينج والداها.
عملنا رغم ذلك. نحن نفعل ذلك دائما. لكن حين هز الطبيب رأسه أخيرا عم المكان صمت كان أثقل من أي صوت.
وكانت هي هناك. آفري. تقف وحدها بعينين واسعتين تراقب الغرباء يتحركون حولها وكأنها غير مرئية.
حين ركعت وفتحت ذراعي لم تتردد. ركضت نحوي وتشبثت بي كما لو كنت آخر شيء صلب في هذا العالم.
لم تتركني.
فبقيت.
أحضرت لها عصير تفاح في كوب ورقي وسمحت لها أن تسكبه على ملابسي. وجدت كتاب أطفال مهترئا في غرفة الانتظار وقرأته بصوت عال. مرة بعد مرة. وفي القراءة الثالثة لمست بطاقتي التعريفية وحدقت في اسمي كأنه مهم.
قالت بجدية تامة أنت الطيب.
كدت أن أنهار في تلك اللحظة.
لاحقا أخذتني الأخصائية الاجتماعية جانبا وقالت بلطف لا يوجد أقارب. ستكون رعاية مؤقتة. سنجد حلا في الصباح.
سمعت نفسي أتكلم قبل أن أفكر هل يمكنني أن آخذها الليلة فقط إلى أن تجدوا حلا.
نظرت إلي من أعلى إلى أسفل وقالت أنت صغير في السن تعمل بنوبات وأعزب.
قلت أعلم. لكنني لا أستطيع أن أتركها تحمل بعيدا على يد غرباء.
ليلة واحدة تحولت إلى أسبوع.
وأسبوع صار شهورا من الزيارات المنزلية ودورات تربية مضغوطة بين نوبات العمل وبحث في منتصف الليل عن أشياء مثل كيفية تضفير الشعر. تعلمت إعداد وجبات المدرسة وتهدئة الكوابيس وكيف أعيش بقليل من النوم أقل مما تطلبته دراسة التمريض.
في أول مرة نادتني أبي خرجت الكلمة عفويا في ممر المجمدات في متجر البقالة. تظاهرت باهتمام شديد بكيس بازلاء مجمدة حتى لا يرى أحد وجهي.
نعم. لقد تبنيتها.
غيرت إلى جدول عمل أكثر استقرارا وفتحت صندوقا جامعيا حالما استطعت وحرصت ألا تتساءل يوما إن كانت مرغوبة. كنت أقول لها الحقيقة حين تسألعن أصلها وعن الليلة التي التقينا فيهالكنني كنت أختم دائما بالطريقة نفسها
لم تفقدي كل شيء. لقد وجدنا بعضنا.
كبرت آفري لتصبح فتاة مرحة حادة الذكاء عنيدة. تحمل سخريتي وعيني والدتها البيولوجيةبنيتين دافئتين الشيء الوحيد الذي عرفته عن تلك المرأة من صورة واحدة في ملف بالمستشفى. كانت تحب الرسم تكره الرياضيات وتبكي
ثم تتظاهر بعكس ذلك.
لم أواعد كثيرا. لم يكن ذلك قرارا واعيا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لحياة شعرت أنها مكتملة. كان لدي بيت يعود إليه صوت ضحك وواجب أكبر من أي فراغ عاطفي. كنت أعود من نوبات العمل الطويلة فأجد آفري تنتظرني لتريني رسمة جديدة أو لتسألني عن معنى كلمة قرأتها. لم أكن أشعر أنني أفتقد شيئا.
لكن العام الماضي تعرفت إلى ماريسا في العمل.
كانت مختلفة عمن عرفتهن من قبل. أنيقة في حضورها واثقة في كلامها سريعة البديهة لا تتردد في إلقاء نكتة ذكية في أكثر اللحظات توترا. أعجبني فيها أنها لا تشفق ولا تتصنع اللطف بل تبدو قوية ومتماسكة.
أعجبها بدوري أنني أحمل بقايا الطعام إلى المنزل بعد كل نوبة ليلية من أجل آفري. قالت مرة وهي تبتسم
هذا تصرف نادر.
لم أكن أراه كذلك بل أمرا بديهيا.
كانت آفري حذرة منذ البداية. لم ترفض ماريسا لكنها لم تفتح قلبها بسهولة. كانت مهذبة قليلة الكلام تراقب أكثر مما تتحدث. وبصراحة في لغة المراهقين كان ذلك مديحا كبيرا.
مرت الشهور بهدوء.
وبعد ثمانية أشهر اشتريت خاتما.
لم أفعل ذلك بدافع الاندفاع بل بعد تفكير طويل. تساءلت كثيرا هل هذا الوقت مناسب هل سيغير ذلك عالم آفري هل سأستطيع أن أحمي التوازن الذي بنيناه سويا
وفي النهاية قلت لنفسي إن الحياة لا تتوقف عند الخۏف.
ثم في إحدى الليالي جاءت ماريسا إلى المنزل
دخلت وهي ما تزال ترتدي معطفها. لم تجلس. لم تبتسم. لم تسأل عن يومي أو عن آفري وهو أمر لم تعتد عليه. كانت متوترة على نحو أربكني.
تقدمت نحوي فجأة ومدت هاتفها دون مقدمات وقالت بنبرة حادة
ابنتك تخفي عنك أمرا فظيعا. انظر بنفسك.
في تلك اللحظة شعرت بأن الهواء انقطع من حولي.
جف حلقي تماما وأنا أراقب الشاشة وهي تفتح ببطء.
كانت سلسلة رسائل طويلة.
لقطات شاشة متتابعة.
اسم لا أعرفه.
اټهامات مكتوبة بأحرف كبيرة غاضبة قاسېة.
شخص يدعي أن آفري تكذب بشأن هويتها.
أنها سړقت حياة ليست لها.
وأنها تلاعبت بي طوال هذه السنوات.
شعرت وكأن الأرض تميل بي وكأن كل ما أعرفه عن الاستقرار يمكن أن ينهار في لحظة واحدة.
سألت بصوت بالكاد تعرفت إليه
ما هذا.
شبكت ماريسا ذراعيها وقالت بنبرة من يعتقد أنه كشف حقيقة خطېرة
لم أرد أن أصدق. لكنني بحثت. دققت. ابنتك تراسل هذه المرأة سرا منذ فترة.
لم أصرخ.
لم أنفجر.
لم أتهم.
شيء ما بداخلي رفض الفوضى.
ذهبت ببساطة إلى الردهة وطرقت باب غرفة آفري طرقة خفيفة كما اعتدت دائما.
فتحت الباب بعينين محمرتين ووجه شاحب وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
قالت فورا قبل أن أنطق
كنت سأخبرك أقسم.
جلسنا على سريرها.
لم أوبخها. لم أرفع صوتي.
قدمت لي هاتفها بيدين مرتجفتين وكأنها تقدم قلبها بين كفي.
وحين قرأت الرسائل فهمت.
لم تكن كما
لم تكن تآمرا ولا خداعا ولا كڈبا.
كانت
رسائل حذرة