قدّمت حماتها زيّ خادمة في الزفاف… لكن الأم قلبت القاعة في لحظة

لمحة نيوز

احتضانا امتلأ بما لا تستطيع الكلمات حمله الخوف والحب والطمأنينة والقلق وكل تلك المشاعر التي تتزاحم في قلب أم تدرك أن حماية ابنتها لا تعني السيطرة على حياتها بل ضمان ألا تترك وحيدة حين تحتاج الدعم.
لم أكن أعرف ما الذي ينتظر زواجها ولا كيف ستتطور الأمور بعد هذه الليلة ولا إن كان ما حدث سينسى مع الوقت أم سيترك أثره العميق. لكنني كنت أعلم أمرا واحدا بوضوح لا يقبل الشك لن تكون وحدها أبدا.
إن كان دانيال يحبها حقا فستكون هذه الحادثة مرآة صادقة له فرصة ليراجع نفسه وليتعلم أن الشراكة لا تقوم على التقليل ولا على فرض الأدوار ولا على الصمت القسري.
وإن لم يكن كذلك فابنتي تملك بابا مفتوحا وخيارا آمنا وحياة لا تتوقف عند شخص واحد ولا تختزل في علاقة واحدة مهما بدت مقدسة اجتماعيا.
عند مغادرتنا القاعة كان دانيال ووالدته يتجادلان بصوت منخفض قرب المدخل. لم أكن أحتاج إلى سماع كل كلمة كي أفهم ما يدور بينهما نبرة أصواتهما وحدها كانت كافية لتكشف حجم التوتر والانكسار ذلك الانكسار الذي لا يظهر فجأة بل يتسرب حين تتصدع الصورة التي اعتاد المرء أن يختبئ خلفها. أدركت في تلك اللحظة أن الإحراج العلني كان أثقل عليهم مما سيعترفون
به لاحقا وأن الهيبة التي حرصوا طويلا على صناعتها أمام الناس تصدعت أمام أعين الجميع ولن يكون من السهل ترميمها أو تجاهل ما انكشف منها.
ومع ذلك لم أشعر بالشماتة. لم يكن في قلبي فرح بسقوط أحد ولا رغبة في إذلال أي إنسان. لم يكن هدفي أن أنتصر في مشهد عام ولا أن أسجل موقفا يتداول ولا أن أرد الإهانة بإهانة أكبر. كل ما فعلته كان بدافع الحماية لا العقاب. ومع هذا الوضوح في النية لم أشعر بالذنب أيضا. فمن يزرع احتقارا علنيا ومن يختار التقليل من الآخرين أمام الملأ لا يمكنه أن يتفاجأ حين يواجه نتائج اختياره ولا يملك الحق في مطالبة الآخرين بالصمت حفاظا على راحته أو صورته.
في تلك الليلة حين عدت إلى المنزل أغلقت الباب خلفي بهدوء وجلست وحدي في الصمت. لم أشغل موسيقى ولم أبحث عن أي وسيلة تبعدني عن التفكير. تركت الأفكار تأتي كما تشاء دون مقاومة. راجعت المشاهد واحدة تلو الأخرى لا بعين الغضب بل بعين التأمل الهادئ الذي يحاول أن يفهم لا أن يدين فقط. سألت نفسي عما كان يمكن أن يحدث لو اخترت الصمت لو ابتلعت غضبي لو فضلت الهدوء على المواجهة ولو تركت الموقف يمر كما تمر مواقف كثيرة نقنع أنفسنا بأنها لا تستحق التدخل.
تساءلت
هل
كانت ابنتي ستعود إلى بيتها وهي تحمل الزي الذي قدم لها كرسالة وتبدأ حياتها الزوجية وهي تشعر بأنها أقل أو مطالبة بدور لم تختره
هل كان الصمت سيحمي انسجام الحفل فعلا أم كان سيزرع بذرة صامتة من الألم ستنمو لاحقا في قلبها دون أن يراها أحد
فكرت في كل أم وقفت يوما مترددة بين التدخل والصمت بين الخوف من كسر الانسجام الاجتماعي والرغبة العميقة في حماية ابنتها من بداية خاطئة أو مسار طويل من التنازلات المؤلمة. فكرت في تلك اللحظة الدقيقة التي تضطر فيها الأم إلى الموازنة بين صورتها أمام الناس وصورة ابنتها أمام نفسها.
وفكرت في النساء اللواتي واجهن عائلات ما زالت تؤمن بوعي أو بدونه بأن المرأة خلقت لتخدم لا لتشارك لتتكيف لا لتحترم لتتحمل لا لتسمع. نساء تعلمن منذ وقت مبكر أن الصمت فضيلة وأن الاعتراض قلة أدب وأن الدفاع عن النفس قد يفسر تمردا أو جحودا.
ثم فكرت في تلك اللحظات الصغيرة التي نصمت فيها لا لأننا مقتنعون بالصمت بل لأننا متعبون من الشرح أو خائفون من العواقب أو لأننا نقنع أنفسنا بأن الأمر لا يستحق. لحظات نسكت فيها صوتنا الداخلي ظنا منا أن الصمت حكمة بينما يكون في الحقيقة تخليا بطيئا عن أنفسنا وعن من نحب.
نعم
الكلمات قد تؤلم.
وقد تحرج.
وقد تربك اللحظة وتكسر الصورة المثالية التي نحب أن نظهرها للآخرين.
لكن الصمت الصمت قد يدمر ببطء دون ضجيج ودون شهود ودون فرصة للتراجع حين يتراكم الألم ويتحول إلى شعور دائم بالنقص أو العجز.
أكتب هذه القصة اليوم لا من أجل لورا وحدها بل من أجل كل امرأة ابتلعت دموعها في يوم كان يفترض أن يكون سعيدا وكل أم شعرت بأن قلبها يتمزق وهي تشاهد ابنتها تختزل في دور لا يشبهها ولا ينصفها ولا يعكس حقيقتها. أكتبها من أجل أولئك اللواتي قيل لهن إن الوقت غير مناسب للكلام وإن الصمت أولى وإن البيت يستر.
ولو كنت مكاني
هل كنت ستفعل الشيء نفسه
هل كنت ستختار المواجهة بدل المجاملة والحقيقة بدل الصمت حتى لو كان الثمن ثقل النظرات وحدة الهمس
هل كنت ستدافع عن ابنتك أمام الجميع ولو كان ذلك على حساب هدوء الحفل أو صورة اجتماعية زائفة أو رضا أشخاص لا يرون فيها سوى دور محدود مرسوم سلفا
أخبرني رأيك.
يسعدني أن أقرأ ما الذي كان سيفعله آباء وأمهات بل وحتى عرائس المستقبل في موقف كهذا.
فربما بكلمة صادقة أو موقف شجاع أو لحظة وعي نختار فيها ألا نصمت نغير مسار قصة أخرى قبل أن تكتب بالألم نفسه أو قبل أن تعاد بالطريقة
نفسها مرة بعد مرة.

تم نسخ الرابط