طلب منها رعاية ابنه… فاضطر للزواج منها على الورق لإنقاذ حضانة الطفل
لم يكن الطريق عند أطراف سانتا أورورا سوى شريط رمادي يقطع الفراغ تحفه أشجار صنوبر متعبة وتغمره سكينة ثقيلة تشبه تلك التي تسبق العواصف. توقفت السيارة فجأة وصوت انغلاق الباب ارتطم بالهواء كما لو أنه كسر شيئا هشا في الصمت. وفي اللحظة نفسها انطلق بكاء رضيع حاد متواصل كصافرة إنذار تمزق السكون وتستدعي الخوف من أعماق لا ترى.
كان هوغو فالينسا يقف قرب السيارة وبدلته الداكنة متجعدة عند الأكمام وربطة عنقه مرتخية كأنها تخلت عن دورها منذ زمن. حمل الطفل بين ذراعيه يحاول أن يهدئه بحركات مترددة لكن جسده لم يعد يعرف الإيقاع الصحيح للأمان. كانت يداه ترتجفان لا من البرد بل من شيء أعمق خوف ثقيل مقيم لم يغادر صدره منذ أشهر.
نظر حوله كمن يبحث عن شاهد أو نجدة ثم استقرت عيناه على المرأة التي كانت تقف على بعد خطوات ممسكة بحقيبة تنظيف صغيرة وكأنها درعها الوحيد في هذا العالم الغريب.
ليڤيا.
عاملة النظافة الجديدة.
لم تكن تتجاوز السابعة والعشرين نحيلة الجسد بشعر داكن مشدود بإحكام خلف رأسها وعينين واسعتين تحملان تعبا أقدم من عمرها. كانت تقف متيبسة لا تدري هل تتقدم أم تتراجع وقد شعرت فجأة بأن المكان كله انكمش ليضعها في بؤرة حدث لم تستعد له.
استجمع هوغو ما تبقى من صوته وقال متلعثما على غير عادته وكأن الكلمات تخرج منه رغما عنه
هل تستطيعين رعاية ابني.
بدت الجملة معلقة في الهواء ثقيلة غير منطقية كأنها قيلت في حلم سيئ. اتسعت عينا ليفيا وتجمد جسدها تماما. لم يكن هذا ضمن أي احتمال مر في رأسها حين قبلت وظيفة التنظيف قبل أيام. لم يكن هذا سؤالا يطرح في اليوم الأول من العمل ولا حتى في الشهر الأول ولا في أي ظرف طبيعي.
ابتلعت ريقها وشعرت بقلبها يقفز بعنف داخل صدرها.
هي التي خرجت قبل أسابيع قليلة فقط من بلدة بيدرا كلارا تاركة خلفها بيتا متداعيا وأما مريضة تحتاج دواء لا ترحمه الأسعار ودفاتر فواتير تتكاثر كأنها كائنات حية. جاءت إلى سانتا أورورا بحثا عن عمل شريف صامت لا يتطلب سوى أن تخفض رأسها وتنهي يومها دون مشاكل.
وها هي الآن في منتصف طريق مهجور أمام رجل غريب ثري على ما يبدو يطلب منها ما يشبه المستحيل.
فتحت فمها لتعتذر لتقول إنها لا تستطيع إنها ليست مؤهلة إنها مجرد عاملة نظافة لكن هوغو رفع يده بسرعة كأنه يخشى أن تهرب الكلمات قبل أن يسمعها.
قال بصوت مكسور أقل حدة أقرب إلى الرجاء
اسمعي فقط من فضلك.
كان في نبرته شيء أوقفها. ليس سلطة ولا مالا بل انكسار رجل على حافة الانهيار.
سكتت.
تنفس هوغو بعمق ثم بدأ يتحدث كأن السيل انفتح ولم يعد قادرا على إيقافه.
قال إن زوجته كارلا توفيت قبل ثلاثة أشهر في حادث مفاجئ. قالها بجفاف ظاهري لكن عينيه خانتاه كان فيهما فراغ يشبه الفقد الذي لا يشفى. منذ ذلك اليوم تغير كل شيء. البيت الذي كان مليئا بالضحك صار واسعا أكثر من اللازم. الساعات صارت أثقل. والطفل الطفل لم يعد ينام.
ثيو الذي لم يتجاوز عامه الأول رفض كل مربية. بكى مع الجميع. صرخ مع الجميع. تشبث بالهواء كأنه يبحث عن أمه في كل وجه غريب. أمضى هوغو ليالي كاملة بلا نوم يحمل ابنه يسير به في الممرات يحاول كل ما قرأه أو سمعه أو نصح به بلا جدوى.
ثم جاءت العائلة.
أهله.
بوجوه صارمة وكلمات مغطاة بالقلق الظاهري. قالوا إن كثرة سفره لا تناسب تربية طفل. قالوا إن البيت يحتاج امرأة حقيقية. قالوا إن ثيو يحتاج استقرارا وإنهم مستعدون لطلب الوصاية إن لزم الأمر.
كانت الجلسة القضائية بعد أسبوعين فقط.
قالها بصوت منخفض
إن خسرت هذا الطفل أخسره إلى الأبد. أخسر حياتي كلها.
لم تعرف ليفيا ماذا تقول. شعرت بثقل الحكاية يهبط على صدرها لكنها بقيت متماسكة. لم تكن هذه قصتها هكذا أقنعت نفسها. هي مجرد مستمعة عابرة.
لكن عندها قال هوغو شيئا آخر.
شيئا غير كل شيء.
نظر إلى الطفل بين ذراعيه ثم إليها وقال
الغريب أنه حين تمرين أنت يهدأ.
ارتجف قلبها.
تذكرت دون أن تريد كيف في اليوم السابق كان ثيو يزحف ببطء على أرضية المطبخ متجاوزا الألعاب متجها نحوها. كيف تشبث بمئزرها الصغير وكيف ارتسمت على وجهه ابتسامة لم ترها من قبل. كيف توقف بكاؤه فجأة كأن جسده تعرف على شيء مألوف.
وفي تلك اللحظة وكأن الذاكرة قررت أن تتجسد مد ثيو ذراعيه الصغيرتين نحوها الآن.
لم تستوعب ما يحدث إلا حين وجدته بين ذراعيها.
كان دافئا خفيفا ورائحته تشبه الحليب والطمأنينة. توقف البكاء تدريجيا. تحول إلى نشيج متقطع ثم إلى صمت كامل. أسند رأسه الصغير على كتفها وتنفس بعمق كمن وصل أخيرا إلى بر آمن.
شهقت ليفيا بخفة وكأنها هي من هدأت لا الطفل.
راقب هوغو المشهد بعينين دامعتين ولم يقل شيئا لثوان طويلة. ثم وكأنه اتخذ قرارا لم يعد يحتمل التأجيل تنفس بعمق وقال الجملة التي لم تكن أقل غرابة من الأولى
قال إنه يحتاج زوجة.
ليس حبا.
ليس زواجا حقيقيا.
زوجة على الورق فقط.
ليسكت العائلة. ليقنع القاضي. ليبقى ابنه معه.
عرض راتبا أعلى من أي رقم سمعت به ليفيا في حياتها. دراسة مدفوعة إن أرادت. أدوية أمها مضمونة دون تأخير أو إذلال. قال
لا أريد علاقة. لا أطلب مشاعر. حماية فقط.
دارت الغرفة حولها أو هكذا شعرت. كان عقلها يصرخ بالرفض بالخطر بالهروب. لكنها نظرت إلى ثيو الذي كان نائما الآن بسلام عميق كأن العالم عاد صالحا للسكن.
قالت بصوت مبحوح بعد صمت طويل
أوافق لكن بشروطي.
عددت الشروط بوضوح غرفة منفصلة. احترام كامل. لا لمس لا ضغط لا تجاوز. وحق الرحيل متى شعرت أن الأمر تحول إلى سجن مقنع.
لم يتردد هوغو لحظة. وافق فورا كأن تلك الشروط هي أقل ما يمكن أن يقدمه مقابل أن يبقى ابنه بين ذراعيه.
في تلك الليلة حين عادت ليفيا إلى غرفتها الصغيرة لم تنم. جلست على السرير تحدق في الجدار تسأل نفسها كيف يمكن لحياة كاملة أن تنقلب خلال دقائق. لم تشعر بالفرح. ولا بالخوف وحده. بل بشيء ثالث شعور غامض بأنها دخلت طريقا لا عودة منه.
وكان ثيو في الغرفة المجاورة ينام للمرة الأولى منذ أسابيع دون أن يبكي.
لم يشرق الصباح على بيت هوغو فالينسا كما اعتاد. كان الضوء يتسلل عبر النوافذ الواسعة ببطء كأنه متردد في دخول مكان لم يتعرف بعد إلى شكله الجديد. استيقظ هوغو قبل المنبه بساعة على عادة اكتسبها منذ رحيل كارلا لكن هذه المرة لم يكن صوت البكاء هو ما أيقظه. كان الصمت.
صمت غير مألوف.
نهض من سريره فجأة وقد ضرب قلبه صدره بعنف وتقدم بخطوات سريعة نحو غرفة الطفل. فتح الباب بحذر كمن يخشى أن يوقظ حلما هشا فرأى ثيو نائما بعمق صدره الصغير يرتفع وينخفض بإيقاع هادئ. لم يكن وجهه متجهما كما اعتاد ولا يداه مشدودتين بل مسترخيتين كأغصان بعد مطر.
تنفس هوغو بارتياح لم يشعر به منذ زمن وكاد يبتسم لكنه تذكر فجأة أن سبب هذا الهدوء كان امرأة تنام في الغرفة الأخرى.
ليڤيا.
توقف لحظة عند باب غرفتها. لم يكن معتادا وجود أحد آخر في البيت بعد رحيل زوجته. البيت الكبير الذي كان يوما مليئا بالأصوات صار فراغا واسعا يردد خطواته وحده. والآن هناك نفس آخر حركة أخرى حياة دخلت دون استئذان لكنها بدتعلى نحو غريبضرورية.
تراجع بهدوء وتوجه إلى المطبخ. أعد القهوة بيدين لا تزالان مترددتين وجلس إلى الطاولة ينظر إلى الأوراق المبعثرة أمامه ملفات الشركة مواعيد السفر ورسائل من محاميه تذكره بموعد الجلسة القضائية. لكن عقله لم يكن هناك. كان مع سؤال واحد لا يهدأ هل فعل الصواب
في الغرفة المقابلة استيقظت ليفيا قبل الجميع. لم تنم إلا ساعات متقطعة وكان النوم فيها خفيفا قلقا كأنها ضيفة في حياة لا تخصها. جلست على السرير لحظة تصغي. لم تسمع بكاء. لم تسمع حركة.
نهضت رتبت سريرها بدقة مبالغ فيها كما اعتادت أن تفعل حين تشعر بعدم الأمان ثم خرجت بحذر. رأت هوغو في المطبخ فشدت كتفيها تلقائيا لكنها لم تتراجع.
قالت بصوت منخفض
صباح الخير.
رفع رأسه وبدا عليه شيء من الإرهاق لكنه رد بابتسامة صغيرة صادقة
صباح الخير لم يبك طوال الليل.
هزت رأسها وكأنها لا تريد أن تظهر دهشتها. اقتربت من غرفة ثيو فتحت الباب وابتسمت ابتسامة خفيفة حين رأته. مدت يدها ولمسته برفق ففتح عينيه ببطء وما إن رآها حتى تحرك بجسده الصغير وأطلق صوتا خافتا يشبه الترحيب.
شعرت بشيء ينقبض في صدرها.
هي لم تكن أما. لم تحلم يوما بأن تكون. حياتها كانت سلسلة من المسؤوليات المؤجلة من أحلام أغلقت قبل أن تولد. ومع ذلك في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب إحساس بالانتماء.
قضت الصباح تنظم البيت تلقائيا لا لأن أحدا طلب منها ذلك بل لأن الفوضى كانت تقلقها. رتبت الألعاب غسلت الزجاجات وأعدت وجبة بسيطة. كانت تتحرك بخفة وحذر كأنها تخشى أن تترك أثرا.
راقبها هوغو من بعيد ولم يتدخل. كان يرى في تفاصيلها الصغيرة ما لم ينتبه إليه من قبل الطريقة التي تخفض بها صوتها حين تقترب من الطفل كيف تراقب تنفسه قبل أن تبتعد كيف تعدل الستارة لتمنع الضوء القاسي. لم يكن هذا أداء. كان طبيعيا.
وقبل الظهر وصل أول اختبار حقيقي.
رن جرس الباب.
تجمد هوغو في مكانه. كان يعرف هذا التوقيت. يعرف هذا الرنين القصير الحازم. نظر إلى ليفيا ثم قال بهدوء مصطنع
إنهم أهلي.
شعرت ليفيا بانقباض في معدتها. لم تكن مستعدة. لم ترتد قناعا بعد. لم تتعلم الدور.
فتحت الباب فدخلت والدته أولا امرأة في أواخر الستين ملامحها أنيقة وقاسية في آن واحد يتبعها الأب وشقيقة هوغو. نظراتهم مسحت المكان بسرعة ثم توقفت عند ليفيا.
قالت الأم بابتسامة باردة
إذا هذه هي.
لم تجب ليفيا. اكتفت بالانحناء الخفيف محاولة أن تحافظ على توازنها الداخلي.
جلسوا جميعا في غرفة الجلوس. ثيو كان بين ذراعي ليفيا هادئا على غير العادة حين يكون غرباء في المكان. لاحظت الأم ذلك وضيقت عينيها.
قالت بلهجة لا تخلو من اتهام
غريب لم نره هكذا من قبل.
رد هوغو بهدوء
ليس غريبا. هو يحتاج الاستقرار.
ابتسمت الشقيقة بسخرية خفيفة وقالت
استقرار أم ترتيب سريع لإنقاذ موقفك أمام القاضي.
ساد صمت ثقيل.
شعرت ليفيا بأن الكلمات موجهة إليها مباشرة لكنها لم تنطق. كانت تعلم أن أي رد قد يستخدم ضدها. لكن ما لم تتوقعه هو أن يتحرك هوغو.
وقف
قال بصوت ثابت خال من التردد
ليڤيا زوجتي. وثيو ابني. ومن الآن فصاعدا أي حديث يقلل من شأنها