إخوته رفضوا إنقاذ أبيهم من الدَّين… لكنه وحده قال: «أنا أتحمّل» — وبعد عام حدث ما لم يتوقّعه أحد
المحتويات
من الدواء.
وفي تلك الليلة حين ظنت أنني نائم سمعتها تبكي في المطبخ.
لم أخرج.
أحيانا يكون عدم الخروج هو الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله.
مر الشتاء.
ثم الربيع.
بدأت أشعر أن الزمن يختبرني عمدا.
كلما سددت قسطا ظهر مصروف جديد.
كلما قلت اقتربنا ابتعد الهدف خطوة أخرى.
وفي أحد الأيام عدت إلى البيت متأخرا جدا.
وجدت والدي جالسا في الظلام.
لماذا لم تشعل الضوء سألت.
قال
كنت أفكر.
جلست بجانبه.
في ماذا
تردد ثم قال
في الإخلاص.
نظرت إليه باستغراب.
ليس كل من يقول أنا معك يكون معك فعلا.
بعض الناس يحبك ما دمت قويا ويعتذر عندما تضعف.
لم أفهم لماذا قال ذلك في تلك اللحظة لكن كلماته علقت في ذهني.
في الشهر التاسع بعت بعض الأثاث.
لم نعد نملك إلا الضروري.
وفي المقابل صار والدي أكثر حضورا.
كان يساعد الأطفال في واجباتهم.
يعد لهم قصصا من الماضي.
وكانوا يحبونه حبا صافيا بلا شروط.
وفي إحدى الليالي قال لي
أنت تعتقد أنك تضحي من أجلي لكنك في الحقيقة تعلم أبناءك درسا لن ينسوه.
سألته
أي درس
أجاب
أن العائلة تختبر في الضيق لا في الوفرة.
اقتربت نهاية السنة وكنت مرهقا إلى حد لم أعد أفرق فيه بين الأيام.
كنت أعد الشهور كما يعد السجين الأيام على الجدار.
ثم جاء اليوم الأخير من السنة.
لم أكن أعلم أنه لم يكن نهاية
بل
بدأ الشهر العاشر بثقل مختلف.
لم يكن ثقل المال وحده بل ثقل الأسئلة التي بدأت تتكاثر في رأسي دون إجابات.
كنت أستيقظ أحيانا قبل المنبه لا لأنني نشيط بل لأن قلبي كان يسبقني إلى القلق.
أجلس على طرف السرير أراقب زوجتي وهي نائمة وأتساءل بصمت إلى متى
والدي كان يستيقظ قبلي.
أراه في الفجر جالسا في الفناء يلف كتفيه بمعطفه القديم يحدق في السماء كمن ينتظر إشارة.
لم يعد يبدو رجلا منكسرا كما في البداية.
كان صامتا نعم
لكن صمته لم يعد صمت عجز بل صمت معرفة.
في أحد الأيام بينما كنت أرتب أوراق العمل لاحظت شيئا غريبا.
كان والدي يقلب دفترا قديما أوراقه صفراء وحوافه مهترئة.
ما شد انتباهي لم يكن الدفتر بل الطريقة التي كان يقرأ بها بتركيز رجل يحسب لا رجل يتذكر.
سألته
ما هذا
أغلق الدفتر فورا.
أشياء قديمة.
لم يرفع نظره.
كانت تلك أول مرة أشعر فيها أن هناك شيئا لا أعرفه.
ليس عن الدين بل عنه.
في الأسبوع نفسه زارنا أخي الأكبر.
جلس على الأريكة شرب القهوة وتحدث عن إنجازات أبنائه.
لم يذكر والدي إلا بجملة عابرة
الحمد لله أنه بخير.
راقبتهما من بعيد.
كان والدي ينظر إليه بهدوء نظرة لا لوم فيها ولا عتاب بل شيء أقرب إلى التقييم.
بعد أن غادر قال والدي
هل تعلم ما الفرق بين من يعطي لأنه يستطيع
قلت
الأول كريم والثاني مسؤول.
ابتسم
والثالث
أي ثالث
الذي لا يعطي لكنه ينتظر المكافأة.
لم أسأله.
لكن قلبي انقبض.
بدأت ألاحظ أشياء أخرى.
مكالمات قصيرة يتلقاها والدي ثم يغلق بسرعة.
رسائل يقرأها ثم يحذفها.
زيارات خاطفة لأشخاص لا أعرفهم يأتون حين أكون في العمل ويغادرون قبل عودتي.
سألت زوجتي إن كانت لاحظت شيئا.
قالت
هو هادئ لكن ليس ضعيفا.
كانت محقة.
في الشهر الحادي عشر انهارت سيارتي.
تكلفة الإصلاح كانت أكبر مما أملك.
وقفت في الورشة أحدق في الفاتورة كمن يحدق في حكم نهائي.
في تلك الليلة عدت إلى البيت مشيا.
وجدت والدي ينتظرني.
أين السيارة
قلت بصراحة
تعطلت. سأستقل الحافلة فترة.
نظر إلي طويلا ثم قال
تعال معي.
أخرج مفتاحا قديما من جيبه وأشار إلى سيارة مركونة عند الزاوية.
سيارة متواضعة لكنها سليمة.
استخدمها.
قلت
ومن أين
قاطعني
لا تسأل.
كان صوته هذه المرة مختلفا.
حازما.
بدأ الشك يتسلل إلي.
كيف لرجل مثقل بدين 900000 أن يمتلك سيارة احتياطية
كيف له أن يدفع أحيانا مصروفات صغيرة دون أن يظهر القلق الذي أعيشه أنا
وفي ليلة باردة بينما كنت أراجع الحسابات سقط ظرف قديم من بين أوراق والدي.
لم أفتحه فورا.
لكن اسمي كان مكتوبا عليه بخط واضح.
أعدته مكانه.
يدي كانت ترتجف.
في اليوم التالي
نقلناه إلى المستشفى.
وقف إخوتي هناك قلقين صامتين مرتبكين.
سمعت أخي الأوسط يهمس للآخر
إن حدث له شيء فالدين
شعرت بالغثيان.
عاد والدي إلى البيت بعد أيام.
أضعف جسدا لكنه أقوى حضورا.
في تلك الليلة ناداني.
اقتربنا من نهاية السنة.
قلت
نعم.
هل ندمت
فكرت طويلا ثم قلت
تعبت لكنني لم أندم.
أغمض عينيه وكأن هذا الجواب كان ينتظره.
حسنا.
كانت تلك الكلمة أثقل من الدين نفسه.
وفي اليوم الأخير من السنة
طلب مني أن أجلس.
قال
غدا سأعطيك شيئا.
لم أنم تلك الليلة.
لم أكن أعلم أنني في الصباح التالي
لن أقرأ ورقة عادية
بل حقيقة كاملة.
استيقظت قبل الفجر.
لم يكن هناك صوت منبه ولا حركة في البيت لكن قلبي كان يدق بقوة غير معتادة كأنه يعرف أن هذا اليوم ليس عاديا.
غسلت وجهي صليت وجلست في الصالة أحدق في الجدار أراجع السنة كاملة في رأسي
التعب الحرمان القلق الصمت
وسؤال واحد يطرق داخلي بلا توقف هل كان كل هذا يستحق
خرج والدي من غرفته متكئا على عصاه.
كان يرتدي ثوبه الرمادي القديم نفسه الذي لبسه يوم خرج من المستشفى أول مرة.
جلس قبالتي دون أن يتكلم.
ظل الصمت بيننا طويلا حتى شعرت أنه صار كائنا ثالثا يجلس معنا.
قال أخيرا
اليوم يكتمل العام.
أومأت برأسي.
مد يده إلى جيب معطفه وأخرج مفتاحا صغيرا صدئا قليلا
قبل أن أعطيك الورقة أريد أن أقول شيئا.
رفعت بصري إليه.
المال لا يختبر الناس. الحاجة هي التي تفعل.
سكت قليلا ثم تابع
حين وضعت
متابعة القراءة