سأضع الطين على عينك، وبعدها لن تكون أعمى بعد الآن… ماذا حدث بعد ذلك

لمحة نيوز

وطيور وزوارق وقطن.
جلس مارسيلو إلى الجانب مستمعا بينما كان فيليبي يتفاعل مع كل كلمة وكأن الجمل ترسم صورا حيث لا تستطيع عيناه الرؤية.
في ذلك اليوم لم ير فيليبي شيئا.
ولا في اليوم التالي.
ولا الذي يليه.
ومع ذلك كان فيليبي في كل صباح ينتظر دافي وقلبه يخفق بشدة كما لو أن كل نبضة منه تعكس الأمل الذي نما في داخله منذ أن ظهر الصبي الغريب للمرة الأولى. كان ينتظر اللحظة التي سيتقابل فيها مع صديقه الجديد اللحظة التي تملأ قلبه بالفرح وتضيء زوايا حياته التي اعتادت على الظلام والصمت لفترة طويلة.
مع مرور الأسابيع أصبحت الحديقة بالنسبة لفيليبي أكثر من مجرد مكان للهواء الطلق فقد تحولت إلى عالمه الخاص إلى فضاء يفيض بالحياة والألوان التي لم يرها بعينيه من قبل لكنه بدأ يشعر بها بقلبه وروحه. أصبحت الأشجار العالية ومسارات الحديقة المظللة والزهور المتناثرة وحتى صوت النسيم الذي يحرك الأغصان جزءا من يومه وملاذا يلتقي فيه مع صديقه دافي الذي بات يمثل بالنسبة له أكثر من مجرد رفيق لعب.
وفي هذه الأثناء بدأ مارسيلو والد
فيليبي بتغيير عاداته ببطء بطريقة لم يكن يتصور أنه قادر على فعلها من قبل. بدأ بإلغاء الاجتماعات والخروج من المكتب مبكرا وكأن وجوده في الحديقة مع ابنه أصبح أولوية قصوى. كان يفعل ذلك من أجل أن يرى ضحكة ابنه ليشاهد بريق الأمل في عينيه ليعيش معه لحظات كانت غائبة منذ سنوات طويلة.
كانت مساعدته تراقبه بدهشة غير مصدقة ما تراه عيناها من تغير في سلوك الرجل الذي اعتاد على الانشغال بالعمل فقط. أما ريناتا زوجة مارسيلو فقد كانت لا تزال متشككة قلقة على سلامة ابنها ومحتارة بين خوفها على فيليبي وبين رؤية سعادته لأول مرة منذ زمن طويل.
لكن التغيير في فيليبي كان واضحا ومذهلا للجميع. أصبح يتحدث أكثر يضحك بحرية أكبر يشارك أفكاره الصغيرة ويخطط لأشياء بسيطة تضيف إلى حياته البهجة. أصبح قلبه ينبض بالحياة يبحث عن كل جديد عن كل تجربة يمكن أن تمنحه شعورا بالسعادة التي لم يعرفها منذ سنوات.
أما دافي فلم يعد مجرد الصبي الطيني الذي يظهر بين الحين والآخر بملابس ممزقة وأقدام عارية بل أصبح الصديق المخلص الطفل من حي فقير الذي
يشارك حكاياته عن جدته التي تعتني بالدجاج وعن ابن عمه الذي يعزف الغيتار في الكنيسة وعن تفاصيل حياته البسيطة كلها تروى بصدق وحرية وكأنها دروس في الإنسانية والصداقة الحقيقية.
وكان فيليبي من جانبه يفتح قلبه لدافي ويبوح له بكل ما لم يستطع قوله لأحد من قبل. يروي له عن البيت الكبير الذي يعيش فيه عن الألعاب التي نادرا ما استخدمها عن الغرف الفارغة التي كانت تزيد شعوره بالوحدة وعن المعاناة التي شعر بها كونه الطفل على الكرسي المتحرك الذي لم يعرف الآخرون كيف يقتربون منه أو يلعبوا معه.
وفي يوم من الأيام قال فيليبي بصوت يملؤه الحزن والصدق معا
إنهم لا يعرفون كيف يلعبون معي. إنهم خائفون أن أسقط أو أن أتعرض للكسر.
ابتسم دافي وكان ابتسامة بسيطة لكنها عميقة تحمل الثقة والتقدير. ثم قال
حينها تلك خسارتهم. أنت رائع ولا شيء في هذا العالم يستطيع أن يقلل من قيمتك.
وعلى ذلك المقعد الصغير في الحديقة تحت أشعة الشمس الدافئة التي تتسلل بين أوراق الأشجار ولدت صداقة حقيقية صداقة تجاوزت الكرسي المتحرك والملابس الممزقة والفروق
الاجتماعية لترى فقط طفلين في التاسعة من العمر يضحكان يحلمان ويؤمنان بالعالم من حولهما بطريقة لم يعرفها أحد من قبل.
كان الضحك يتردد في أرجاء الحديقة كأنه موسيقى خفية تصنع عالما جديدا عالما يمكن فيه لكل شيء أن يكون ممكنا. كانت أصواتهم الصغيرة وحديثهم المستمر وتبادلهم للقصص والحكايات بمثابة جسر يصل بين عالمين مختلفينعالم الغنى والراحة وعالم الفقر والكفاحليصنع عالما ثالثا مليئا بالحب والصداقة والاهتمام الحقيقي عالما يختصر كل ما يفهمه القلب قبل العين.
وفي هذه اللحظات بدأ فيليبي يفهم شيئا مهما لم يعرفه من قبل أن السعادة الحقيقية ليست مرتبطة بما يراه الإنسان بعينيه بل بما يشعر به قلبه وأن الأصدقاء الحقيقيين هم من يجعلون الحياة مليئة بالألوان حتى وإن كانت العيون معتمة وحتى وإن بدا العالم مظلما في البداية.
وكانت هذه الصداقة الوليدة التي بدأت بطفل طيني وطفل على كرسي متحرك بداية سلسلة من الدروس التي سيحملها كل منهما معه مدى الحياةدروس عن الصبر عن الحب عن الرعاية وعن الطريقة الصحيحة لرؤية العالم بعين
القلب قبل العين.

تم نسخ الرابط