كانت تقف كل يوم عند بوابة القصر… وحين قرأتُ الرسالة انهار عالمي

لمحة نيوز

اسمك
رمشت مرتين كأنها تختار الجواب الأكثر أمانا.
إيمري.
هبت عاصفة حركت شعرها لكنها لم تنتفض.
أخذت الظرف أخيرا من بين أصابعها الصغيرة باردة لا ترتجف إلا عند الأطراف.
كانت عيناها تتابعان الحركة كأن كل شيء يتوقف على ما إذا كنت سأفتحه أم لا.
سألتها أين أمك
نظرت إلى قدميها الحافيتين.
بعيدة. قالت لي إنك ستأتي لتجدنا بعد أن تقرأه.
دق النبض في حلقي.
التفت نحو أضواء القصر المنسكبة على الممر. ادخلي يا إيمري الجو دافئ.
لكنها تراجعت خطوة.
لا يا سيدي. وعدتها.
قالتها بطاعة لا تولد إلا من الخوف المتنكر في ثوب الوفاء.
وقبل أن أحتج أخرجت من حقيبتها الصغيرة شيئا آخر
صورة فورية.
فركت زاويتها بإبهامها الصغير قبل أن تعطيني إياها.
تجمد دمي.
كنت أنا.
أصغر سنا.
واقفا إلى جانب امرأة أحببتها بجنون ثم أجبرت على محوها من حياتي.
شعرها خلف أذنها.
ذراعي حول كتفيها.
تلك الليلة تحت عجلة الملاهي في أوستن حين بدا كل شيء ممكنا.
شق صوت إيمري الرعد خلفنا
تقول أمي إنها آسفة. لم ترد أن تدمر حياتك. لكنها قالت إن الابنة تستحق أبا حتى لو كان غنيا الآن.
اشتد المطر.
سيدي همست.
نعم
هل ستقرأ الرسالة الآن
ابتلعت ريقي وكان حافتا الظرف تضغطان على إبهامي.
إلى الداخل أصررت مرة أخرى.
لكن الطفلة ابنتي وإن لم أجرؤ بعد على قولها تراجعت خطوة أخرى.
ثم قالت كلمات أوقفت أنفاسي
قالت إن لم
تأت الليلة فقد نختفي بحلول الصباح.
دوى الرعد.
اهتزت البوابة.
وأدركت الحقيقة
لم تكن تسأل.
كانت تحذرني.
مزقت الظرف عندها فوق الحصى رغم أن المطر كان ينهمر مائلا وينقع الورق قبل أن أتمكن من فتحه.
كان الحبر قد سال قليلا كأنه دموع.
إلياس بدأ الخط.
شخص واحد فقط في العالم كان يناديني بهذا الاسم دون أن يبدو مصرفيا.
تعثر قلبي.
إن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أنني لم أعد أملك وقتا لأحميها وحدي.
اشتد المطر على الورقة فحميتها بيدي.
إيمري ابنتك. لم أرد أن أخفيها عنك إلى الأبد. لكن والدك أجبرني على الوعد.
شعرت بوالدي الذي بنى إمبراطوريتنا حجرا باردا فوق حجر غريبا فجأة.
ربيتها بهدوء وأمان. لكن الأمور تغيرت. هناك من يبحث عنا.
تقلص نبضي.
إن أردت الحقيقة تعال الليلة. وإن لم تأت فقط أحبها من بعيد.
لا توقيع.
لكنني رأيت خطها بوضوح كما لو رأيت وجهها.
خلفي شدت إيمري طرف معطفي.
سيدي قالت أمي إنك ستفهم.
جثوت أمامها وغاصت ركبتي في الحصى المبتل.
أين هي يا إيمري
رمشت بعينيها الواسعتين نفس العينين اللتين كنت أقبلهما قبل النوم قبل أن تولد بسنوات.
في فندق ويلو القديم همست. الغرفة 12. قالت لي أخبرك أن الحقيقة بدأت هناك.
فندق ويلو.
آخر مكان رأيتها فيه قبل أن يهددها والدي فتختفي.
نهضت بسرعة.
إيمري سنذهب.
تجعد حاجباها. لكن أمي قالت إنني لا أدخل بيتك.
لن تدخلينه قلت وأنا
أحملها بذراع واحدة بل ستأتين معي.
تشبثت بكتفي باردة مرتجفة لكنها واثقة.
وأثناء ربطها في المقعد الخلفي للسيارة نظرت إلي من خلف زجاج تتساقط عليه قطرات المطر.
هل يجوز أن أن أناديك باسم آخر الآن
اختنق صوتي.
ماذا تريدين أن تناديني
وضعت كفها الصغيرة على الزجاج.
وكان صوتها رجفة صغيرة وسط العاصفة
أبي.
شق البرق السماء.
أغمضت عيني لا من الرعد بل من ثقل كل ما فقدته وما وجدته فجأة.
فتحت بابها جثوت وضممتها ملابس مبللة هواء بارد قلب يخفق بعنف.
نعم همست في شعرها.
أنا أبوك. أنا هنا الآن.
ذابت بين ذراعي كأنها كانت تنتظر هذه الكلمات طوال حياتها.
وعندما قدت السيارة مبتعدا عن القصر أغلقت البوابات خلفنا بصوت معدني.
صوت رمزي.
تحذير.
بداية.
لأن الرسالة كانت محقة
كان هناك شخص آخر يبحث عنهما أيضا.
ولم أكن أنوي أن يسبقني إلى ابنتي والمرأة التي أحببتها يوما.
لم يتغير فندق ويلو منذ عشر سنوات.
السقف المتهالك نفسه.
اللافتة النيون المرتعشة نفسها.
وموقف الحصى ذاته حيث قالت لي ذات يوم إنها تحبني ورحلت قبل أن أرد.
كانت الغرفة 12 في آخر الصف.
ضوء دافئ يتسلل من خلف الستائر الرقيقة.
كان نبضي قرع طبل في حلقي.
حملت إيمري خدها ملتصق بكتفي وقد أدركها الإرهاق أخيرا. كانت نائمة لكن يدها الصغيرة لم تترك معطفي.
طرقت الباب مرة واحدة.
انفتح فورا كأنها كانت تقف خلفه تنتظر.
وكانت
هناك.
لينا.
ليست الفتاة التي تذكرتها بل المرأة التي نحتتها الحياة ألين في مواضع وأقسى في أخرى. متعبة. شجاعة. جميلة جمالا لا علاقة له بالزمن أو الزينة.
احتبس نفسها حين رأت إيمري بين ذراعي.
وجدتك همست.
قلت بهدوء لا هي من أنقذتني.
تراجعت خطوة. ادخل.
كانت الغرفة صغيرة لكنها دافئة. حقيبة مفتوحة على السرير ملابس مطوية بعجلة. وحقيبة نصف ممتلئة لأغراض إيمري قرب الباب.
كنت سترحلين قلت.
كان علي ذلك أجابت. لم أكن أعلم كم بقي لنا من الوقت.
وضعت إيمري برفق على السرير. تقوست نحو الوسادة هادئة للمرة الأولى منذ بدأت العاصفة.
ثم التفت إلى لينا.
من الذي يبحث عنكما سألت. عنها
ترددت.
ثم نطقت الاسم الذي تمنيت ألا أسمعه.
والدك.
انتشر البرد في داخلي ببطء قاتل.
لماذا
لأنه علم بوجودها همست. وقال الشيء نفسه الذي قاله قبل عشر سنوات إن عالمك ليس مبنيا لأناس مثلنا. وإنه سيحل المشكلة قبل أن تعرف.
مالت الأرض تحت قدمي.
هددك مجددا
أومأت.
وهذه المرة قالت وصوتها يتكسر كنت أعلم أنه جاد.
ساد صمت.
دفاية الفندق تطن.
إيمري تتنفس بهدوء.
المطر يطرق النافذة بإلحاح.
كان يجب أن تخبريني همست.
حاولت قالت. في الليلة التي رحلت فيها جئت إلى بيتك. قابلني عند البوابة. قال إن أخبرتك فسيدمر شركتك ومستقبلك وحياتك. وقال إنك ستلومينني.
لم أكن لأ
لقد صدقت كل ما قاله عني مرة قالت بلطف.
لماذا لا تصدقه مجددا
كانت تلك الضربة الأعمق لأنها كانت محقة.
الصبي الذي كنته آنذاك كان سيشك فيها.
أما الرجل الذي يقف هنا الآن فلن
تم نسخ الرابط