سائق تاكسي أنقذ امرأة تلد في مقبرة… وبعد 10 سنوات عاد القدر بما لا يُصدَّق
الأسئلة. سلمهم فاليريا والطفلة ووقف جانبا يراقبهم وهم يندفعون عبر الأروقة.
جلس بعدها على مقعد بلاستيكي بارد مبلل ويداه لا تزالان ترتجفان. انتظر ساعات دون أن يشعر بالوقت. ومع أول خيوط الفجر نهض ليتحرك نحو غرفة الاستقبال لكنه لم يجد فاليريا.
اختفت.
سأل عنها لكن لا أحد أعطاه جوابا واضحا. قيل له إن المريضة نقلت أو خرجت أو أن الاسم غير موجود في السجلات.
لم يبق سوى ظرف سميك وورقة مطوية بعناية.
فتح الرسالة بيدين مترددتين وقرأ
توماس
سأحمل هذا الدين في عنقي ما حييت.
في الوقت الحالي لا يمكنني أن أكون موجودة.
حياتي وحياة ابنتي ما زالتا في خطر.
أرجوك التزم الصمت.
سيأتي يوم نلتقي فيه من جديد.
أغلق توماس الرسالة ببطء وأعادها إلى الظرف. لم يشعر بالغضب ولا بالخيانة. شعر فقط بثقل سر وضع على كتفيه سر أكبر من طاقته لكنه قبله بصمت.
لم يتحدث توماس قط عن تلك الليلة.
لم يخبر زملاءه.
لم يخبر
لم يخبر أحدا.
عاد إلى سيارته وقادها كما كان يفعل كل ليلة وكأن شيئا لم يحدث. لكن داخله لم يعد كما كان. كان يعلم في مكان ما من قلبه أن تلك الليلة لم تكن مصادفة وأن القدر ربطه بتلك الطفلة إلى الأبد حتى وإن لم يرها مرة أخرى.
مرت السنوات ببطء.
مرت عشر سنوات كاملة.
واصل توماس قيادة سيارة الأجرة ليلا. ازداد الشيب في رأسه وانحنى ظهره قليلا لكن عينيه ظلتا تحملان ذلك العمق الصامت لرجل رأى ما يكفي من الحياة. لم يكن أحد يعلم أنه ساعد يوما في ولادة ابنة مليارديرة داخل مقبرة وسط المطر والظلام.
وفي أحد الأيام بينما كان ينفخ إطار سيارته قرب الرصيف توقفت أمامه سيارة سوداء فاخرة لامعة لا تشبه المكان ولا الزمان.
انفتح بابها ببطء.
نزلت فتاة في نحو العاشرة من عمرها ترتدي فستانا أبيض بسيطا لا يحمل أي مظاهر ترف. كانت خطواتها واثقة ونظرتها هادئة على نحو غير مألوف لطفلة في مثل سنها.
نظر إليها توماس دون أن يفهم سبب انقباض صدره.
حدقت إليه بصمت طويل كأنها تدرسه تحفظ ملامحه ثم انحنت برأسها باحترام.
مساء الخير يا سيدي.
رمش توماس مشوشا.
مساء النور أجاب بحذر.
ثم قالت بصوت ثابت
هل تتذكر مقبرة حدائق الصمت
توقف الزمن.
شعر توماس وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه. عاد إليه المطر والظلام والأنين والبكاء الأول.
كاد قلبه يتوقف.
وقبل أن ينطق انفتح الباب الخلفي للسيارة.
نزلت امرأة.
الوجه نفسه
ملامح أكثر نضجا
لكن بلا خوف.
فاليريا ميندوزا.
لم يحتج توماس إلى سؤال. عرفها فورا. لم يتغير شيء في ملامحها سوى تلك الطمأنينة التي لم تكن موجودة قبل عشر سنوات.
اقتربت منه ببطء وكأنها تخشى أن يختفي إن اقتربت بسرعة.
توماس قالت بصوت متهدج لقد وجدتك أخيرا.
لم يستطع الرد. فقط حدق فيها ثم بالفتاة ثم عاد إليها.
روت له فاليريا كل شيء.
روت له كيف خانها زوجها وأكبر المساهمين وكيف دبروا
وروت له كيف استعادت كل شيء.
ثم نظرت إليه بعينين دامعتين
أول ما فعلته كان البحث عنك.
لولاك قالت وهي تبكي لما كانت ابنتي موجودة ولا المرأة التي أصبحتها اليوم.
اقتربت الفتاة خطوة أخرى وأمسكت بيد توماس بيد صغيرة دافئة.
أنت منقذي قالت ببساطة.
شعر توماس أن قلبه لم يعد يحتمل. انهمرت دموعه دون مقاومة.
عرضت عليه فاليريا منزلا ومالا وحياة مريحة وكل ما يمكن أن يعوض سنوات التعب.
لكن توماس هز رأسه.
أنا بخير هكذا قال بهدوء لا أطلب سوى أن أراها من وقت إلى آخر.
انفجرت فاليريا بالبكاء.
بعد عشر سنوات من ولادتها في ظلام مقبرة عادت فتاة لتبحث عن الرجل الذي أشعل أول نور في حياتها.
وسط ضجيج المدينة مسح سائق أجرة عجوز دموعه وهو يدرك أن بعض الأفعال مهما بدت
لم يكن أحد يعلم.
لكن القدر
لم ينس أبدا.