ظننتُ أن زوجي تخلّى عني… وبعد خمس سنوات اكتشفت الحقيقة الصادمة
مستشفيات بلا دموع مسروقة في منتصف الليل
المال الذي أرسلته لك ليس تعويضا فلا شيء يعوض العمر
إنه فقط أمان بسيط كي لا تمدي يدك لأحد وكي لا تشعري يوما أنك وحيدة في هذا العالم
كلي جيدا عيشي جيدا
لا أطلب منك الغفران لأنني أعلم كم آلمك صمتي
كل ما أريده أن تكوني سعيدة حتى وإن لم أكن جزءا من سعادتك
وإن كانت هناك حياة أخرى فاعلمي أنني دون تردد لاخترتك من جديد
حين انتهيت من القراءة لم تعد الكلمات أمامي
بل كان هو
رأيته في كل سطر في كل فاصلة في ذلك الوداع الذي كتبه بيد ترتجف وقلب يتآكل
سقطت على ركبتي وكأن قدمي خانتاني في اللحظة نفسها التي انكشفت فيها الحقيقة
لم أشعر بالأرض تحت جسدي ولم أعد أميز إن كنت أتنفس أم أختنق
انهرت بكاء كما لم أبك من قبل بكيت كطفلة فقدت فجأة حضنها الوحيد
كأن السنوات الخمس بكل قسوتها وجوعها ووحدتها وخيباتها
انفجرت دفعة واحدة في صدري
كان البكاء
بكاء امرأة عاشت على الكراهية كي تبقى واقفة
امرأة احتاجت أن تكرهه كي لا تموت شوقا
كي تبرر لنفسها لماذا تركت
ولماذا أصبحت الحياة فجأة بلا معنى
خمس سنوات كاملة
خمسة أعوام حملت فيها في صدري كرها ثقيلا
كرها لم يكن موجها إليه وحده
بل إلى نفسي
وإلى العمر الذي مضى
وإلى الحب الذي ظننته كذبة
أغلقت قلبي في وجه ذكراه
هربت من اسمه
من صوته في ذاكرتي
من الأماكن التي ضحكنا فيها
ولعنت اليوم الذي خرج فيه من حياتي دون تفسير
كنت أعيش وأنا أقول لنفسي
لقد تخلى عنك لقد انتهى كل شيء
بينما كان هو في مكان ما
وحيدا
ضعيفا
يصارع المرض بصمت نبيل
يتألم دون أن يشتكي
ينهار دون أن يطلب يدا تمسكه
ويقاوم الموت وحده
وفي كل شهر
كان يتذكرني
كان يرسل لي المال شهرا بعد شهر
ليس ليشتري راحته
بل ليضمن راحتي
حتى في الأيام التي كانت يداه ترتجفان فيها
وحتى عندما صار الإمساك بالقلم تحديا
لم يتوقف
كنت
كنت مقتنعة أنني لم أعد جديرة بالبقاء في حياته
وأنني بعد كل تلك السنوات
صرت عبئا تخلص منه
لكن الحقيقة
كانت مختلفة تماما
الحقيقة كانت أقسى من الكراهية
وأجمل من الغفران
لقد أحبني حبا لم أكن قادرة على تخيله
أحبني إلى حد لم يحتمل فيه أن يراني أتألم لأجله
أحبني لدرجة جعلته يختار الوحدة بدل أن يقيدني بمرضه
ويختار الصمت بدل أن يحملني خوفه
ويختار الرحيل
كي أبقى أنا
أحبني لدرجة جعلته يواجه الموت وحده
كي لا أواجهه أنا مرتين
مرة حين أراه يذبل
ومرة حين أفقده
وقفت أمام صورته الموضوعة على المذبح العائلي
كانت عيناه في الصورة كما عرفتهما دائما
هادئتين
حزينتين
مليئتين بأشياء لم يقلها أبدا
تقدمت ببطء
مددت يدي
ولمست إطار الصورة بأصابع مرتجفة
كما لو أنني أبحث عن نبض ما زال حيا
عن دفء غاب فجأة
عن رجل رحل وهو يحمل قلبه معي
همست بصوت مكسور بالكاد سمعته
لماذا لم تخبرني
لماذا تركتني أعيش في هذا الظلام
لماذا تركتني أكرهك
وأنت تحبني بهذا العمق
لكن الصمت
كان جوابه الوحيد
وفي ذلك الصمت
عاد إلى ذهني ذلك اليوم البعيد
اليوم الذي سلمني فيه بطاقة الثلاثة آلاف بيزو
اليوم الذي خرجت فيه من المحكمة مكسورة
وأنا أظن أنني امرأة متروكة
منسية
بلا قيمة
بلا سند
واليوم بعد خمس سنوات
وأمام ذكراه
وأمام حقيقة حبه الصامت
فهمت كل شيء
فهمت أن بعض الناس لا يصرخون بحبهم
ولا يطالبون بالاعتراف
ولا يكتبون رسائل طويلة كل يوم
بعضهم يحب بصمت
ويحمي من بعيد
ويختفي
كي لا يؤلم
لم أكن وحيدة يوما
لم أنس لحظة واحدة
لم أكن عبئا كما ظننت
كنت محاطة بحب لم يرفع صوته
ولم يطلب له شكر
حب لم يبحث عن تقدير
ولم ينتظر مقابلا
حب اختار أن يحترق وحده
كي أعيش أنا
واليوم
بعد أن انكشفت الحقيقة
وبعد أن سقط الكره
وبعد أن عاد الحب إلى مكانه الصحيح
أستطيع أن أقول أخيرا
دون
ودون غضب
ودون دموع
كنت محبوبة
ليس إلى أن رحل
ولا إلى أن مرض
ولا إلى أن توقف قلبه
بل
حتى النهاية