رجعت الدكتورة هبه لشقتها ووحدت رائحة غريبة

لمحة نيوز

الزنزانة
الليل الطويل
حكم الإعدام اللي كان بيتقال كأنه رقم
والإحساس إنها اتحكم عليها تموت بجريمة ما عملتهاش 
القاضي وقف 
الوقفة دي لوحدها كانت إعلان 
تلغى أحكام الإعدام فورا 
المطرقة نزلت خبطة واحدة صوتها كان أعلى من أي صراخ 
وتحال أوراق المتهم محمد للمحاكمة بتهمة القتل العمد 
وقف لحظة وبص لإيمان 
وتبرأ الدكتورة إيمان براءة كاملة 
إيمان ما سمعتش باقي الكلام 
رجليها خانتها 
وقعت من طولها 
ناس جريت عليها حد بيشيلها حد بينادي إسعاف حد بيحاول يفوقها 
عينيها كانت مفتوحة بس مش شايفة 
كانت عايشة
بس مش مصدقة إنها عايشة 
بعد شهور الحكم صدر 
محمد اتحكم عليه بالسجن المؤبد 
الناس قالت 
اهو اتحاسب 
بس اللي عرفوه كويس قالوا 
السجن كان أسهل حاجة 
العقاب الحقيقي كان جوه دماغه 
صوت ابنه 
صورة النار 
نظرة القاضي 
واللحظة اللي فهم فيها إنه ضيع كل حاجة بإيده 
أما إيمان
ما رجعتش بيتها 
ما رجعتش عيادتها 
ما طلبتش تعويض 
ولا
ظهرت في برامج 
ولا قالت أنا ضحية 
باعت كل ممتلكاتها 
قفلت العيادة بإيدها 
وسيبت المفاتيح على المكتب كأنها بتودع حياة كاملة 
واختفت 
ناس قالت سافرت 
ناس قالت اتجننت 
ناس قالت مقدرتش تعيش بعد اللي شافته 
لكن الحقيقة ظهرت بعد سنة 
آخر مرة حد شاف إيمان كانت في دار أيتام صغيرة على أطراف المدينة 
مش دار فخمة
ولا اسمها معروف
ولا فيها تبرعات كبيرة 
كانت لابسة نضارتها القديمة
نفس النضارة اللي لبستها يوم وقفت قدام القاضي
يوم كانت مستنية حكم يقرر إذا كانت هتعيش ولا لأ 
النضارة نفسها بس العيون اللي وراها ما بقتش هي هي 
الحدة اللي كانت فيها زمان اختفت
واتبدلت بنظرة هادية متعبة بس صادقة 
كانت قاعدة على الأرض
مش على كرسي
ولا على مكتب
ولا في مكان يديها إحساس إنها أعلى من حد 
قاعدة زي الأطفال
مستواها قد مستواهم
جنب طفلة صغيرة
ماسكة إيديها الاتنين
كأنها مش ماسكة طفلة
كأنها ماسكة الحياة نفسها
الحياة اللي كانت هتضيع منها للأبد 
الطفلة كانت بتضحك 
مش ضحكة عالية
ولا ضحكة
متكلفة
ضحكة بسيطة
طالعة من القلب
النوع اللي يخليك تحس إن الدنيا لسه فيها خير
حتى لو شوفت أسوأ وش فيها 
إيمان كانت باصة لها ومش بتتكلم 
كانت سايبة الضحكة تدخل قلبها واحدة واحدة
من غير ما تقاومها
من غير ما تحاول تهرب 
كأنها بتتعلم من جديد إزاي تقبل الفرح
من غير ما تحس بالذنب 
واحدة من العاملات في الدار كانت معدية
وقفت بالصدفة
سمعتها بتتكلم بصوت واطي
صوت ما فيهوش بكا
ولا صريخ
ولا شكوى 
أنا دفعت تمن غلطي
الجملة خرجت هادية
كأنها اعتراف مش محتاج شاهد
ولا محكمة
ولا دفاع 
سكتت لحظة 
اللحظة دي كانت تقيلة
تقيلة بكل اللي فات
بالنار
وبالجثة
وبالزنزانة
وبالليل اللي كانت بتعدي فيه الدقايق بالعافية 
بصت للطفلة
ومسحت على شعرها بإيد مرتجفة خفيفة
مش من الخوف
من الوعي 
بس مش هسيب طفل تاني يدفعه 
الكلام ده ما كانش وعد
ولا شعار
ولا محاولة تكفير سهلة 
كان قرار 
قرار اتاخد بعد ما كل حاجة اتحرقت جواها 
إيمان كانت عارفة إنها ما تقدرش ترجع الماضي 
ما تقدرش ترجع الطفل اللي مات 
ما تقدرش
تمسح ريحة النار من ذاكرتها 
ولا تمسح صوت باب الزنزانة وهو بيتقفل 
ولا نظرات الناس اللي كانت شايفاها مجرمة قبل ما تسمع الحقيقة 
كانت عارفة إن في حاجات ما بتتصلحش 
بس كانت عارفة برضه إن في حاجات ممكن ما تتكررش 
وده كان اللي في إيدها 
تمنع التكرار 
تمنع طفل تاني يتضرب في صمت 
تمنع أم تانية تدفن ابنها قبل أوانه 
تمنع أب يفتكر إن النار حل 
تمنع المجتمع يغمض عينه ويكمل 
ومن يومها
إيمان ما كانتش دكتورة 
ولا صاحبة عيادة 
ولا اسمها بيتقال في الأخبار 
ولا قضية رأي عام يتخانقوا عليها في البرامج 
كانت إنسانة 
بس 
ست بتصحى بدري
وتقعد على الأرض
وتسمع حكايات ما تتحكيش
وتحضن أطفال محتاجين حضن قبل أي علاج
وتصلح بالراحة
اللي الزمن كسره بالعنف 
كانت بتداوي
من غير سماعة
ومن غير روشتة
ومن غير مقابل 
وكانت بتعرف
وهي قاعدة هناك
إن العدالة مش دايما في الحكم
وأحيانا بتكون في اللي بنختاره نعمله بعد الحكم 
وكانت دي النهاية
نهاية قضية هزت البلد
وكشفت وجع مستخبي
وكسرت
أقنعة كتير 
وبداية حياة جديدة
اتبنت على الألم
بس ما خضعتش له
ولا سمحت له يكسرها تاني 
نهاية
بس سيبت أثر
وأثرها كان أكبر من أي حكم

تم نسخ الرابط