عاد إلى قصره دون موعد… وما رآه على مائدة الغداء دمّر كل ما كان يعرفه عن حياته
رأت إلينا الأطفال يرتجفون صاحت إنهم بشر إنهم أحفادك! لكن برناردا اندفعت لتهاجم إلينا. وفي لحظة فوضى دافع أحد الأطفال عنها فصاحت برناردا وضربت الطفل وسقط على الأرض وبكى. عندها تحطم آخر خيط بين أليخاندرو وبين طاعة الأم. أمسك برناردا جرها خارج البيت أمام الحراس وأمر بإخراجها فورا ثم أغلق الباب خلفها كأنه يغلق قبرا نهائيا.
عاد إلى الداخل ووجد إلينا تحتضن الطفل الجريح وتمسح الدم عن شفتيه. ركع بجانبهم وقال لن يمسكم أحد بعد اليوم أقسم لكم.
قالت إلينا بخوف هي قوية ستستخدم القانون ستتهمني بخطفهم. أجابها بثبات لن تفعل وإن فعلت سأواجهها. لدي ما يكفي من القوة لأحميكم.
ثم اتخذ قرارا غير كل شيء حمل طفلين بين ذراعيه وقال لإلينا أن تحمل الآخرين وصعدوا إلى الجناح الذي بقي مغلقا خمس سنوات. فتح غرفة كانت معدة لأربعة أطفال لم يأتوا فظهرت أسرة صغيرة وألعاب مغطاة بالغبار. نظر الأطفال إليها بدهشة كأنهم دخلوا عالما آخر. سأل أحدهم هل هذا السماء فأجابه أليخاندرو بصوت مبحوح لا هذا غرفتك. كانت دائما غرفتك.
دخلوا الحمام الكبير. الماء الساخن والرغوة الكثيفة جعلا الضحكات تخرج لأول مرة بلا خوف. لكن أليخاندرو رأى على سيقانهم آثار قيود قديمة فاشتعل داخله غضب أسود لم يعرفه من قبل. ومع ذلك أجبر نفسه على أن ينظر إليهم كما قالت إلينا أحياء يضحكون يتطهرون من الماضي.
في تلك الليلة جاء الطعام الكثير. بيتزا شطائر بطاطا كل ما يشتهيه الأطفال. وجلس أليخاندرو بينهم يأكل من طبق طفل قدم له طعامه كأنه يعتذر للعالم بأبسط طقس أن يشاركهم. لاحظ أن أحدهم يخفي الطعام تحت الوسادة خوفا من الجوع فوعدهم أمام الجميع لن تضطروا إلى ادخار لقمة بعد اليوم. هذا البيت لن يعرف الجوع مرة أخرى.
طلب من إلينا أن تجلس معهم. رفضت بعادة الخدم فقال لها القواعد التي قالتها أمي انتهت أنت سبب حياتهم. أنت عائلة.
ولم يطل السلام. في الصباح جاءت الشرطة ومعهم أمر قضائي واتهام بالخطف. وقفت الأم أمام البوابة تبتسم بانتصار. لكن أليخاندرو وقف مثل جدار أمامهم وأخرج العلاقة والصورة والدليل وقال هؤلاء أبنائي. ومع ذلك طلبوا إثباتا رسميا.
عندها اتخذ قرارا مجنونا ظاهريا منطقيا في معركة البقاء قال لإلينا إنه سيتزوجها فورا لتكون الأم القانونية فلا يقدر أحد على اتهامها. ارتجفت إلينا وخافت من أن يكون الأمر مجرد ورقة فاشترطت عليه ألا يرميها بعد انتهاء العاصفة. أعطاها كلمته.
تم الزواج في مكتبة القصر بوجود قاض ومحام وأطفال صغار شهودا. لم تكن هناك زينة ولا موسيقى. لم يكن هناك فستان. كان هناك خوف وصدق ونجاة. ثم جاءت نتيجة الحمض النووي أبناءه حقا أربعة توائم متطابقة.
وحين وصلت أوراق تثبت أن والدته دفعت مالا لتزوير شهادات الوفاة ونقل الأطفال إلى مكان بعيد وقف أليخاندرو أمام النار واختار قرارا صعبا أحرق الأوراق حتى لا يتحول مستقبل الأطفال إلى فضيحة ومحاكم وشهادات وذكريات تقتل بها طفولتهم مرة أخرى. قال وهو ينظر إلى الرماد انتقامنا أن نعيش سعداء. لن أجعل كراهية أمي تعرف مستقبلهم.
ماتت برناردا بعد ذلك في حادث وهي تحاول اقتحام المكان. ولم يبك أليخاندرو عليها كما لم تبك هي يوم رمت أحفادها
مرت الأيام الثقيلة. كانت الليالي مليئة بكوابيس الأطفال وخوفهم من الصندوق الأسود. تعلم أليخاندرو الأبوة في ساعات الفجر. تعلم أن يعتذر أن يطفئ الخوف قبل أن يطفئ الضوء وأن يصنع من قصر كان قبرا بيتا يشبه الضحك.
وبعد عام في حديقة القصر اجتمعوا حول مائدة بسيطة. علقت البالونات وركض الأطفال بدراجات جديدة وظهرت إلينا بثوب صيفي يلمع في الشمس. وعلى المائدة وضع طبق كبير من الأرز الأصفر ذاته لكن هذه المرة لم يكن طعام نجاة بل طعام ذكرى. قال الأطفال إنهم يريدونه كي لا ينسوا وكي يحتفلوا باليوم الذي عاد فيه والدهم مبكرا ورآهم حقا لأول مرة.
رفع أليخاندرو كأسه وقال الذهب ليس ما يلمع في البنك. الذهب هو ما في هذا الطبق وما حول هذه المائدة. وضحك الأطفال وهتفوا باسم إلينا ثم نظر إليها وعرف أن الثراء الحقيقي ليس ميراثا ولا أرقاما بل بيت يمتلئ بحياة كانت على وشك أن تمحى لولا قلب واحد لم ينس