ترتجف على كرسيها… وزوجة الأب فضحت نفسها قدّام الجميع!
عجلات كرسيها بقوة وأنفاسها متقطعة لكنها حين واجهت القاضية رفعت عينيها. خرج صوتها صغيرا لكنه واضح وكل كلمة تسقط كالحجر كانت تقول لي إنني لعنة أنا فقط أردت أن تحبني زوجة أبي.
اجتاح الصمت القاعة. توقف الصحفيون عن الكتابة. نظر الجمهور دون رمش. شحب وجه إيلينا وارتعش في عينيها هلع. أمسكت كلارا بيدها وهمست تماسكي لا تدعيهم يرون ذلك.
قالت القاضية بصرامة قدموا الدليل المصور فورا.
نهضت باتريشيا من الجمهور وتقدمت ورفعت ذاكرة صغيرة وقدمتها لموظف المحكمة. وصلت الذاكرة بالشاشة الكبيرة. أضاءت الشاشة. التفتت كل العيون إليها. ظهر الدرج الحجري أمام قصر فالديڤيا وصوفيا على كرسيها ورأسها منخفض. ثم ظهرت إيلينا وملامحها متقدة غضبا وبعدها كان الدفع واضحا لا يحتمل الإنكار. تمايل الكرسي وسقطت صوفيا عند الدرج وارتفع صراخها.
شهق الجمهور في آن واحد. اندفعت أصوات من الخلف يا إلهي أي قسوة هذه وراح أحد الصحفيين الشبان يكتب بسرعة على حاسوبه عنوانا عريضا زوجة الأب الشريرة تفضح فالديڤيا لن يصمت.
قفزت إيلينا واقفة وعيناها متسعتان كذب! الفيديو مفبرك! إنهم يتآمرون لتدميري! حاولت كلارا أن تتكلم لكن صوتها اهتز أختي كانت فقط تؤدبها الطفلة كانت وقحة
ذابت كلماتها وسط عاصفة غضب متصاعد. أما ماركوس فانحنى وشبك أصابعه بقوة وقطرات العرق على جبينه. اختفى لسانه الساخر وحل مكانه خوف يخنق الحلق.
شد ريكاردو يد صوفيا بقوة وانحنى وهمس لها بصوت ثابت لم تعودي وحدك أنا هنا الآن.
نظرت صوفيا إلى أبيها. كانت الدموع ما تزال تتساقط لكن عينيها لم تعودا تحملان الرعب وحده. ظهر في عمقهما شيء غريب راحة هشة كأن ظلمة داخلها تشققت لتسمح بخيط ضوء.
طرقت القاضية مطرقتها بقوة وقالت بلهجة صارمة لا تعرف التردد كفى. بناء على الدليل المصور وشهادة الشهود آمر باحتجاز إيلينا وكلارا وماركوس إلى حين استكمال الإجراءات بتهم إيذاء طفل والتشهير والتخطيط لحملة تضليل إعلامي.
اهتزت القاعة. تقدم رجال الأمن بسرعة. دوى صوت الأصفاد المعدنية وهي تغلق على معصمي إيلينا. صرخت وهي تتلوى لا لا يمكنكم فعل
اقتيدوا إلى الخارج. نظرت صوفيا إليهم وللمرة الأولى لم يكن في عينيها خوف خالص بل ومضة تحرر صغيرة.
جلس ريكاردو إلى جانب ابنته وثقل صدره لم يزل لكن ضربات قلبه هدأت قليلا. كان يعلم أن هذا ليس النهاية إلا أن القناع نزع أمام الناس. ومع ذلك حين أنزلت صوفيا رأسها وهي تقبض على طرف فستانها تساءلت في داخلها هل سيختفي الخوف حقا أم سيظل كامنا ينتظر عودة الظلام
حين أغلق باب الغرفة الخاصة خلفهما وخفت ضجيج الممر قرب ريكاردو كرسيا وجلس أمام صوفيا ومسح وجهها بمنديل برفق. كان شعرها مبللا بالدموع فأبعد خصلاته عن جبينها بحذر كأنه يخشى أن يؤلمها. تنفس ليهدئ صوته المرتجف ثم قال بوضوح بصوت أجش آسف كان يجب أن أكون هنا منذ وقت طويل.
رفعت صوفيا نظرها إلى حذاء أبيها ثم إلى يده التي تمسح شعرها. ابتلعت ريقها وقالت بصوت متهدج هل ستتركني مرة أخرى
ضغط ريكاردو يدها الصغيرة على صدره لتشعر بنبض قلبه. ثم اقترب وضمها بقوة أبدا. أنت أثمن ما لدي. مهما حدث سأبقى هنا.
فتح الباب ودخلت شابة ببدلة داكنة تحمل بطاقة تعريف مكتوبا عليها مدافعة عن الضحايا. قدمت نفسها باختصار اسمي مايا. أنا مدافعة الضحايا في المحكمة. أستطيع ترتيب دعم نفسي أولي للطفلة وتوفير خط مباشر عند الحاجة. شكرها ريكاردو وطلب المواد ثم أوضح أنه يريد وقتا مع ابنته. فهمت مايا تركت ملفا من الكتيبات وغادرت بهدوء.
فركت صوفيا عينيها وقالت بصوت صغير أخاف أن أرى كوابيس الليلة. أومأ ريكاردو إذا خفت نتصل أو أقرأ لك حتى تنامي.
في الأيام التالية بدأ ريكاردو يتعلم كيف يكون أبا كمن يعيد تعلم لغة نسيها. كان يستيقظ قبل المنبه يحمص الخبز يضع على المائدة زبدة الفول السوداني ومربى الفراولة ويسأل ابنته أيهما تفضل. كانت صوفيا تحدق في الطبق ثم تقول بصوت منخفض أريده مع الموز كما كانت تفعل أمي.
يفتح ريكاردو الخزانة ويقطع الموز على نحو غير متساو قطعا سميكة وأخرى رفيعة. وللمرة الأولى ابتسمت
كل عصر يدفع كرسيها في الحديقة. صارت الممرات المألوفة دروسا في الصبر والتنفس. يمشي خلفها يضع يديه برفق على المقبضين ويتركها تختار الطريق نعبر الجسر الحجري أم نعود إلى المرج تفكر صوفيا ثم تشير نحو البحيرة هناك أبرد أتنفس أفضل. يجيب حسنا سنذهب ببطء.
يمشيان قليلا بصمت ثم تقول صوفيا بابا هل تغني لي قبل النوم يتردد ثم يبتلع ريقه كنت أغني هل تريدين أغنية أنت شمسي تومئ. فيبدأ بصوت خافت ليس ثابتا كما كان لكنه دافئ. تستند صوفيا إلى كرسيها مغمضة العينين ويدها ترتخي.
وفي المساء كان يطفئ هاتفه قبل العشاء ويضعه مقلوبا على الطاولة. اتصلت باتريشيا لتنظيم جدول أعماله فقال باختصار أعيدي جدولة كل اجتماعات بعد الظهر أولوية جدول صوفيا. جاءه صوتها دافئا نعم سيدي سأبلغ مجلس الإدارة. ابق معها.
وفي المدرسة استقبلت إيزابيل الأب والابنة على باب صف الفن وقدمت رسومات جديدة. قالت صوفيا رسمت سماء أكثر إشراقا. ما زالت هناك ظلال لكن هناك نافذة مفتوحة. نظر ريكاردو إلى صوفيا التي انكمشت بخجل وقالت فقط حاولت ليست جميلة. فقال بثبات بل جميلة لأنها لك.
في أول ليلة قراءة معا اختار ريكاردو كتاب صور بسيط. جلس قرب سريرها ووضع يد صوفيا على الصفحة ليتقاسما تقليبها. توقف عمدا عند سطر وكأنه ينتظر سؤالها. رفعت صوفيا رأسها لماذا يخاف الدب من الظلام تردد ريكاردو لحظة ثم قال ربما لأنهم تركوه فيه مدة طويلة لكن عندما يمسك أحد بيده لا يعود الظلام مخيفا إلى هذا الحد.
سكتت صوفيا قليلا ثم سألت إذا سكبت ماء على الكتاب هل ستغضب ابتسم ريكاردو لا سنجففه ونكمل القراءة.
وفي ليلة أخرى اشتدت كحة صوفيا بسبب البرد. نهض ريكاردو فورا أحضر ماء دافئا وربت على ظهرها وبدأ يعد بانتظام واحد اثنان ثلاثة لتتنفس على الإيقاع. تعلم كيف يلاحظ متى تحتاج إلى توقف ومتى تحتاج إلى طمأنة فقط. سألها هل أنت بخير الآن أجابت أفضل.
ترددت صوفيا ثم سألت هل ستعمل غدا قال نعم لكن صباحا فقط. بعد الظهر سأصحبك إلى مايا ثم نمر على إيزابيل. تنفست صوفيا براحة
وفي زيارة للمستشفى قابلا طبيبا مختصا بملامح هادئة وصوت مطمئن. شرح استخدام البخاخ وعادات التنفس وقال الأهم أن تشعر بأنها مسموعة حالتها النفسية تساعد جسدها كثيرا. شكره ريكاردو ودون التفاصيل وسأل عن التعامل مع النوبات الليلية. كانت صوفيا تراقب الحوار وتشعر أن أحدا لا يتجاهلها.
وفي طريق العودة لم يشغل الراديو. حكى لها ذكريات صغيرة عن لورا دون أن يغرق في المأساة كمن يفتح نافذة كي تدخل منها الشمس. قال كانت أمك تصنع فطائر على شكل نجمة وتقول إن
كل نجمة أمنية. ضحكت صوفيا بعينين متسعتين اصنع بعضها غدا. قال سأحاول لكن لا أعدك أنها ستبدو جميلة مثل فطائرها. ردت صوفيا لا يجب أن تبدو جميلة يكفي أن تكون منك.
وكان يتعلم أيضا متى يصمت. إذا جلست صوفيا وحدها طويلا يقترب دون ضغط يجلس على الأرض مسندا ظهره إلى إطار الباب ويضع دمية دب على ركبتيه. بعد قليل تقترب صوفيا وحدها بكرسيها وتهمس انتهيت للتو من رسم نافذة جديدة هذه تطل على الحديقة. يومئ غدا نذهب إلى الحديقة باكرا.
مع الفجر كان الضوء ما يزال ممزوجا ببقايا العتمة. ألبسها ريكاردو كنزة ودفع كرسيها إلى الشرفة الخلفية. كان العشب مبتلا بالندى والهواء نقيا. لم يكثر الكلام فقط وقف خلفها ويداه ثابتتان على المقبضين يستمع إلى تنفسها المنتظم. أمسكت صوفيا يد أبيها واندمجت أصابعها الصغيرة بأصابعه. قالت بابا السماء اليوم مشرقة جدا. ابتسم نعم جاء الضوء في الوقت المناسب.
بقيا هكذا طويلا. راقب ريكاردو أول خيط شمس يتسلل فوق السقف. ثم همس وكأنه يخاطب لورا نجحت ولن أتركها أبدا. رفعت صوفيا نظرها وقالت بثقة هادئة أعتقد أن ماما معنا.
لم يرد أحد لكن النسيم حرك أوراق الشجر وسقطت ورقة واحدة في كف صوفيا كأنها لمسة. ضحكت وأرتها لأبيها. لم يقل شيئا فقط شد يدها أكثر.
كان ذلك الصباح ليس فقط نهاية حفلة انكسر فيها القناع بل حدا فاصلا بين الظلام والنور. طفلة هشة أهينت وأب اختار أخيرا أن يقف مع الحق. ومع أن القانون قال كلمته فإن الشفاء الحقيقي كان يبدأ من شيء أبسط وأقسى في الوقت نفسه أن يكون