قبل زفافي بيوم، وقفت عند قبر زوجتي الراحلة… وهناك فهمت معنى الحب
وللمرة الأولى تساءلت إن كان قلبي لا يجب أن يكون ساحة معركة بل بيتا يتسع لأكثر من غرفة.
بعد أسابيع وجدت نفسي في مكتبي ليلا محاطا بأوراق مبعثرة. كنت أحاول أن أكتب شيئا أي شيء يساعدني على فك العقدة داخلي. وفي النهاية جاءت الكلمات على شكل رسالة.
عندما وجدتني كلير كنت منحنيا على المكتب والدموع تلطخ الحبر.
سألتني بلطف لمن هذه الرسالة
ترددت ثم همست لآنا.
لم ترتبك ولم تبتعد. فقط أومأت وقالت هل تريدني أن أبقى
أومأت برأسي وبيدين مرتجفتين قرأت الرسالة بصوت عال
عزيزتي آنا
أمضيت أربع سنوات أحاول أن أعيش من دونك لكن الحقيقة أنني لم أحاول حقا. كنت بوصلتي وملاذي وأبديتي. حين رحلت ظننت أن الحب رحل معك.
ثم التقيت بكلير. دخلت حياتي وأنا فارغ. لم تطلب مني يوما أن أتوقف عن حبك وكان ذلك يخيفني لأنني ظننت أن السماح لها بالدخول يعني خيانتك.
لكنني أفهم الآن. الحب لا يتنافس بل يتسع. أنت من علمتني كيف أحب وكلير تعلمني كيف أواصل الحب بعد الفقد. أؤمن أنك كنت ستتمنين ذلك لي.
سأحملك معي دائما لكنني مستعد الآن لأن أحملها معي أيضا. شكرا لك على كل شيء.
بكل الحب دانيال.
عندما انتهيت كانت وجنتا
لا أريدك أن تنساها أريدك فقط أن تحبني أيضا.
عندها انهرت حقا لكن لم يكن انهيارا مهينا أو مضعفا بل انهيارا شافيا كأن شيئا ثقيلا ظل جاثما على صدري لسنوات طويلة قد انزاح أخيرا. انسكبت سنوات من الذنب المكبوت والندم الصامت والخوف من الخيانة وأنا أبكي بين ذراعيها دون محاولة للتماسك. لم أحاول أن أبدو قويا ولم أعد أخشى ضعفي. وللمرة الأولى منذ وفاة آنا شعرت أن صدري يتسع لنفس كامل وأن الهواء يعود إلى رئتي كما لو أنني أتنفس للحياة من جديد لا مجرد البقاء.
في تلك اللحظة لم أشعر أنني فقدت آنا مرة أخرى بل شعرت أنني توقفت عن معاقبة نفسي باسمها. أدركت أن حزني الطويل لم يكن وفاء لها بقدر ما كان هروبا من الحياة وأن الحب الذي عشته معها لم يخلق ليكون سجنا أبديا بل جسرا أعبر به نحو إنسان آخر نحو شكل مختلف من الطمأنينة.
مر عام كامل بعد تلك الليلة تغير فيه الكثير داخلي قبل أن يتغير أي شيء في الخارج. تعلمت أن أذكر آنا دون أن ينهار قلبي وأن أتحدث عنها دون أن أشعر بأنني أعتذر عن وجود كلير في حياتي. لم تختف الذكريات لكنها فقدت حدتها
وفي صباح هادئ من ذلك العام وقفت كلير وأنا معا عند قبر آنا. كانت السماء زرقاء صافية بلا غيوم كأنها تمنحنا إذنا صامتا بالسلام. وضعت الزنابق على الشاهد بحرص شديد ثم تنحيت جانبا تاركا لكلير مساحتها الخاصة. لم أكن خائفا من تلك اللحظة ولم أشعر بالغيرة أو الذنب. شعرت فقط بالامتنان.
جثت كلير أمام القبر ولم تكن دموعها صاخبة بل هادئة وعميقة. لم تكن تنافس امرأة رحلت ولم تطلب إذنا من أحد بل جاءت بقلب صادق. لمست الرخام بأطراف أصابعها وهمست بصوت بالكاد يسمع
شكرا لك لأنك علمته كيف يحب. أعدك أن أعتني به جيدا.
حينها غمرت الدموع عيني لكنها لم تكن دموع حزن ولا وجعا قديما يستيقظ بل دموع امتنان خالص. شعرت أن شيئا ما اكتمل داخلي. لم تعد آنا شبحا يلاحقني في صمتي ولا ذكرى تؤلمني كلما ابتسمت. أصبحت جزءا من قصتي صفحة سابقة لا تمحى لكنها لا تمنعني من قراءة ما بعدها.
بعد أشهر قليلة رزقنا الله بابنتنا غريس. كانت لحظة حملها بين ذراعي للمرة الأولى إعلانا صامتا بأن الحياة لا تتوقف وأن القلب قادر على الاتساع أكثر مما نظن. نظرت إلى
وحين كبرت غريس بما يكفي لتسأل لم نكذب عليها ولم نختر الطريق السهل. جلسنا معها بهدوء وقلنا لها الحقيقة كما هي بلا خوف ولا تردد
كان والدك يحب امرأة رائعة تدعى آنا. هي الآن في السماء. وبسبب حبه لها تعلم كيف يحبنا نحن.
كانت تستمع بفضول طفولي لا بحزن وكأنها تفهم بطريقتها الخاصة أن الحب لا يقسم بل يتراكم. لم تشعر بالتهديد ولم تشعر بأن هناك مكانا ناقصا في قلب أبيها بل أدركت أن قلبه صار أوسع.
أحيانا في ليال هادئة ما زلت أحلم بآنا. تأتي دائما مبتسمة لا تحمل حزنا ولا عتابا وكأنها تطمئنني أنها بخير وأنني بخير أيضا. أستيقظ من تلك الأحلام دون خوف ألتفت إلى كلير النائمة بجانبي وأشعر بسلام لم أعرفه من قبل.
لم أعد أشعر بأنني مضطر للاختيار بين امرأتين ولا بين ماض وحاضر. أدركت أخيرا أن الحب ليس طريقا ذا اتجاه واحد ولا قرارا قاسيا يفرض علينا بل مساحة تنمو بداخلنا مع كل تجربة ومع كل فقد ومع كل بداية جديدة.
لأن الحب ليس شيئا نتجاوزه أو نتركه خلفنا
بل شيء ننمو حوله حتى يصبح هو السبب الذي يجعلنا