قبل زفافي بيوم، وقفت عند قبر زوجتي الراحلة… وهناك فهمت معنى الحب

لمحة نيوز

يقولون إن الزمن كفيل بشفاء كل شيء لكن بعد أربع سنوات من وفاة زوجتي آنا كنت ما أزال أنام في جهتها من السرير.
اسمي دانيال ويتمور وذات يوم كنت أؤمن بالخلود. عشت مع آنا تسع سنوات من الزواج قبل أن ينهي سائق مخمور كل شيء في ليلة ممطرة من شهر نوفمبر. منذ ذلك الحين أصبحت حياتي سلسلة من الأيام الفارغة.
تعلقت بذكراها بدندنتها الخافتة وهي تحرك صلصة المعكرونة بالنمش الصغير على أنفها الذي لا يظهر إلا تحت ضوء الشمس وبرائحة عطرها العالقة في الوسائد. كان التذكر هو طريقتي الوحيدة للإبقاء عليها حية. أما النسيان فكان يبدو لي خيانة.
على مدار ما يقارب ثلاث سنوات عشت كأنني شبح. دعاني الأصدقاء للخروج وتوسلت إلي أختي أن أزور معالجا نفسيا وبدأ مديري يقلق من تراجع أدائي في العمل. لكن شيئا من ذلك لم يكن يهمني. لم أكن مهتما بأن أشفى. كنت أظن أن الشفاء يعني التخلي عنها.
ثم التقيت بكلير دونوفان.
كان لقاؤنا في عشاء خيري رعته شركتي وكانت هي تغطي الحدث ككاتبة مستقلة. لفتت انتباهي لأنها لم تطرح أسئلة سطحية. بدلا من أن تسأل ماذا تعمل سألت لماذا يهمك هذا الأمر. كان صوتها هادئا وحضورها ثابتا كأن الوقوف إلى جانبها يشبه الوقوف بجوار شخص لا يخشى الصمت.
تحولت لقاءات القهوة إلى عشاء وتحول العشاء إلى نزهات طويلة على ضفاف النهر. لم تضغط علي يوما للحديث عن آنا. لكن في إحدى الليالي فاجأتني بقولها
أنت تتحدث عنها

بصيغة الحاضر.
تجمدت في مكاني. لم يلاحظ أحد ذلك من قبل.
وأضافت بلطف
لا بأس هذا يعني أنها ما زالت جزءا منك.
مرت الشهور وبدأت أعود إلى الحياة ببطء. عدت إلى الجري والطهي بل والضحك دون شعور بالذنب. لم تحاول كلير أن تحل محل آنا بل وقفت بهدوء إلى جانب الظل الذي تركته.
وبعد عام ونصف طلبت من كلير الزواج. وافقت والدموع في عينيها. وللمرة الأولى منذ سنوات شعرت بالأمل.
لكن مع اقتراب موعد الزفاف عاد الخوف القديم. هل أخون آنا بزواجي من امرأة أخرى
في الليلة التي سبقت الزفاف قدت سيارتي إلى مقبرة سانت ماري حاملا باقة من الزنابق زهور آنا المفضلة. جثوت أمام قبرها والمطر يتسلل إلى بدلتي وهمست
أنا آسف. لا أعلم ما الذي أفعله. أحبها لكنني ما زلت أحبك. كيف أتوقف
تكسر صوتي ودوى الرعد في البعيد وفجأة سمعت صوتا من خلفي يقول
أنت لا تتوقف أبدا أنت فقط تتعلم كيف تحمل ذلك بطريقة مختلفة.
استدرت بسرعة فرأيت امرأة غريبة تقف هناك تحمل زهورا.
ظلت كلماتها تتردد في رأسي طويلا بعد مغادرتي المقبرة تلك الليلة أنت لا تتوقف بل تتعلم كيف تحمل ذلك.
كان اسمها إلينا. فقدت شقيقها في القتال قبل ثلاث سنوات وأخبرتني أن الحزن لم يغادرها يوما بل تغير شكله فقط. تحدثنا قليلا تحت المطر غريبين جمعنا الفقد. وحين عدت إلى الفندق كنت مبللا حتى العظم لكن قلبي كان مكشوفا هشا بطريقة لم يشعر بها منذ سنوات.
في صباح اليوم التالي تسلل
ضوء الشمس إلى الغرفة كأن شيئا لم يحدث. لكن داخلي كان يرتجف. بدلة الزفاف معلقة بعناية وعهود الزواج مطوية في جيبي. كان الجميع ينتظر أن أقف اليوم ثابتا لأثبت أنني صرت كاملا من جديد. لكنني لم أكن متأكدا أنني مستعد.
في الكنيسة امتلأت المقاعد بالمدعوين. ابتسمت أختي لي من الصف الأمامي وارتياح واضح في عينيها. بالنسبة لها كان هذا الزواج نهاية مرحلة. أما بالنسبة لي فكان الوقوف على جسر بين حياتين.
ثم دخلت كلير.
كانت ترتدي فستانا أبيض بسيطا ينساب كالماء. لم تكن من ذلك الجمال الذي يجعل المكان يلهث بل من الجمال الذي يتسلل إلى العظام ويستقر. التقت عيناها بعيني هادئتين ثابتتين ولحظة واحدة جعلتني أظن أنني قادر على المضي قدما.
بدأ القس مراسم الزواج. كانت راحتي تتصببان عرقا. ثم جاءت الكلمات التي كنت أخشاها
هل تقبل يا دانيال ويتمور هذه المرأة زوجة شرعية لك مخلصا لها دون سواها
دون سواها.
هل كان سواها يشمل آنا انقبض صدري وجف حلقي. طال الصمت. شعرت بكل العيون شاخصة نحوي تنتظر. ضغطت كلير على يدي. لم تكن مذعورة ولا غاضبة. نظرتها أخبرتني أنها تفهم.
نعم أقبل همست أخيرا.
تنفس الحضور دفعة واحدة وتعالت التصفيقات. تبادلنا قبلة وامتلأت القاعة بالفرح. لكن داخلي لم يكن هناك تصفيق بل صراع بين الذنب والراحة.
في تلك الليلة وخلال حفل الاستقبال كانت كلير تضحك وترقص حافية القدمين على أنغام الفرقة مشرقة بفرحها.
راقبتها وأنا أتساءل هل اتخذت أصدق قرار في حياتي أم أكثرها خداعا
كان شهر العسل في فيرمونت يفترض أن يكون بداية جديدة. كوخ بجانب بحيرة هادئة وأشجار الخريف بألوانها الدافئة. كان يجب أن يكون مثاليا. لكن الصمت بالنسبة لي كان خطيرا. الصمت كان يسمح لآنا بالعودة.
في أحد الصباحات ونحن نحتسي القهوة على الشرفة وضعت كلير كوبها جانبا وقالت بهدوء
أنت لست هنا معي أليس كذلك
حدقت في البحيرة وقلت أحاول.
بحثت عيناها في عيني وقالت
دانيال هل تزوجتني لأنك تحبني أم لأنك كنت خائفا من الوحدة
اخترقتني كلماتها. لم تكن غاضبة بل هادئة على نحو موجع.
ابتلعت ريقي وقلت أحبك حقا. لكن أحيانا أشعر أن جزءا مني ما زال ينتمي إليها. كأنني أستعير نفسي من الماضي.
اغرورقت عيناها بالدموع لكنها لم تدر وجهها. قالت
إذا نحن بحاجة إلى مساعدة. لأنني لا أستطيع أن أكون جائزة ترضية. وأنت تستحق حياة لا تبنى على الذنب.
عندما عدنا إلى المنزل حجزت موعدا مع مستشارة نفسية. لم أكن راغبا في الذهاب لكنني ذهبت من أجلها ومن أجلنا.
وهناك بدأت أواجه الحقيقة أخيرا.
لم يكن العلاج كما توقعت. ظننت أن المستشارة ستطلب مني أن أنسى آنا أن أمحوها من حياتي. لكن الدكتورة فايس جلست في مكتبها الهادئ تحيط بها مصابيح ناعمة وألوان خافتة وقالت لي شيئا هزني بعمق
الحزن ليس مشكلة تحل يا دانيال. إنه تغير في طريقة حبك. الهدف ليس التخلي عن آنا بل أن تفسح
مكانا لكلير أيضا.
لازمتني كلماتها طويلا.
تم نسخ الرابط