ذهبت لأودّع زوجتي الراحلة قبل زفافي… لكن لقاءً واحدًا في المقبرة غيّر كل شيء
بعد أيام التقينا صدفة عند آلة القهوة في مقر العمل وتبادلنا حديثا مقتضبا ثم اقترحت هي أن نجلس قليلا. وافقت دون تفكير عميق وكأن شيئا ما داخلي كان يطلب تلك المواجهة.
جلسنا نتحدث لا عن العمل بل عن الحزن. عن ذلك الشعور الغريب حين يستمر العالم بالدوران من حولك بينما تشعر أنت أن الزمن توقف داخلك عند لحظة فقد واحدة. أخبرتني كيف أنها بعد وفاة أختها غرقت في العمل جعلت منه جدارا سميكا تحتمي خلفه وكيف أنها كبتت مشاعرها لسنوات ظنا منها أن تجاهل الألم كفيل بإنهائه.
قالت لي بصوت خافت إن لقائي في المقبرة يومها جعلها تشعر للمرة الأولى منذ زمن طويل بأنها ليست وحدها في هذا العبء الثقيل. لم يكن في كلامها أي تلميح ولا بحث عن تعاطف زائد بل اعتراف صادق خرج من قلب أرهقه الصمت.
فهمت ما تقصده تماما. كنت أشعر بالأمر نفسه. كانت أحزاننا متشابهة إلى حد مؤلم وكأن كلا منا يرى في الآخر صورة من نفسه في مرآة صافية. وربما لهذا السبب بدأ انجذابي إليها
تطورت أحاديثنا مع الوقت وأصبحت أعمق مما ينبغي. بدأت أشاركها أفكارا ومشاعر لم أشاركها حتى مع لاورا. كنت أعود إلى البيت مثقلا بالأسئلة مشوش الذهن أشعر بأنني أقترب من منطقة خطرة منطقة كنت قد وعدت نفسي ألا أعود إليها.
كنت قد تعهدت لنفسي أن أمضي قدما أن أترك الماضي خلفي أن أكون عادلا مع المرأة التي منحتني قلبها دون شروط. ومع ذلك كان داخلي شعور خفي بأنني أعود خطوة إلى الوراء لا لأنني أريد ذلك بل لأن الألم القديم كان يستيقظ حين يجد من يفهم لغته.
في إحدى الليالي لم أعد أحتمل هذا الصراع الصامت. جلست مع لاورا وأخبرتها بكل شيء. رويت لها ما حدث في المقبرة وكيف التقيت بإيزابيل مجددا وعن الأحاديث الطويلة التي دارت بيننا وعن الاضطراب الذي بدأ يتسلل إلى داخلي.
استمعت إلي بصمت كامل. لم تقاطعني ولم تظهر على ملامحها أي علامة غضب أو انكسار. كنت أتهيأ للأسوأ كنت أنتظر دموعا
لكنها فاجأتني بهدوئها.
قالت بصوت ثابت خال من اللوم
دانيال أنا انتظرتك ثلاث سنوات كاملة. إيزابيل لا تخيفني. الحب لا يحدث صدفة بل هو قرار يتخذ كل يوم. كل ما أطلبه منك أن تختار من قلبك لا بدافع الشفقة ولا بدافع الذنب. وإن شعرت أنها ستجعلك أسعد فسأرحل دون أن أؤذيك.
جلست صامتا أمام كلماتها مشدوها من قوتها ومن ذلك النضج النادر الذي لا يولد إلا من حب صادق. شعرت بالخجل من نفسي لأنني كدت أخلط بين التعاطف والارتباط وبين مشاركة الألم وبناء الحياة.
في تلك الليلة أدركت حقيقة لم أكن قد فهمتها من قبل الحب الحقيقي لا يقوم على تشارك الجراح بل على مساعدة الآخر على شفاء جراحه. ليس كل من يفهم ألمك هو بالضرورة من يجب أن تسير معه في طريقك.
إيزابيل أعادتني إلى حزني ذكرتني بما فقدته ولهذا انجذبت إليها. أما لاورا فقد أعادتني إلى الحياة. علمتني كيف أتنفس من جديد كيف أضحك دون شعور بالذنب وكيف أنظر إلى المستقبل دون
وفي تلك اللحظة عرفت يقينا أنني اخترتها بالفعل.
بعد ذلك حرصت على أن تبقى علاقتي مع إيزابيل مهنية بحتة. توقفت لقاءات القهوة وتلاشت الأحاديث عن الماضي وعدنا إلى حدود واضحة لم نحتج إلى تفسيرها. لم أشرح لها السبب ولم تطلب هي توضيحا. أحيانا يكون الصمت أبلغ من أي كلمات.
ما زلت أفكر بها بين الحين والآخر بنظرتها الصامتة وبحزنها العميق الذي يشبه حزنا عشته يوما. وأتذكر سؤالها الذي طرحته علي ذات مرة
هل أنت مع شخص يساعدك على شفاء جراحك أم مع شخص يعكسها لك
كان سؤالا بسيطا في صياغته عميقا في أثره. ظل يرافقني طويلا حتى وجدت إجابته دون عناء.
لقائي بها لم يدمر حياتي بل أعاد ترتيب مفاهيمي. ذكرني بأنني لست وحدي في حزني وأن الألم قد يجمع البشر مؤقتا لكنه لا يعني دائما أنهم خلقوا ليبقوا معا.
لاورا هي من بقيت. هي من مدت يدها إلى انكساري دون أن تطلب شيئا في المقابل.
وكل