ظنّ أنها مجرد عاملة تنظيف… حتى أنقذت ابنه وكشفت له معنى الأبوة الحقيقيّة
عاد ديميلسون إلى المنزل وهو في حالة من الغضب الشديد يمسك بالقلم في يده بينما كانت ورقة فصل عاملة التنظيف مطوية في جيبه. نادى سيلما إلى غرفة الجلوس دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها جيدا وبدأ يفرغ أمامها كل ما كان عالقا في صدره منذ ساعات. أخذ يشتكي من طريقة ترتيبها للمنزل ومن تفاصيل صغيرة لم تكن تعجبه وقال بحدة إنه سئم من الموظفين وإنه لم يعد يحتمل أحدا لا يقوم بأكثر من واجبه. ثم أنهى حديثه بجملة قاطعة معلنا أن تلك الليلة ستكون آخر ليلة لها في هذا البيت.
وأثناء حديثه المتوتر لم ينتبه إلى أن صوت سيلما كان يرتجف لا خوفا من فقدان عملها بل قلقا عميقا على ابنه. فقد لاحظت منذ الصباح أن الصبي لم يكن على حاله المعتادة كان أكثر هدوءا من اللازم أضعف من المعتاد وكأن شيئا ما ينهكه من الداخل. حاولت سيلما أن تتكلم حاولت أن تنبهه إلى أن الطفل لا يبدو بخير لكن ديميلسون كان غارقا في ضغطه وتوتره إلى حد جعله لا يسمع إلا صوته. قاطعها ببرود وأمرها أن تنهي ما تبقى من عملها وأن تغادر بعد توقيع ورقة الفصل.
بعد وقت قصير رن الهاتف. كانت المربية على الخط تعتذر وتخبره بأنها ستتأخر وأنها لن تتمكن من الحضور
ورغم أنها كانت قد فصلت رسميا اتخذت سيلما قرارا صامتا لم تحتج فيه إلى كلمات لن تغادر هذا المكان قبل أن يتحسن حال الطفل. دخلت الغرفة الصغيرة المزينة بالرسومات والدمى على الجدران فتحت النافذة ليدخل بعض الهواء النقي وأحضرت منشفة ملونة وبدأت تعتني به بكل ما تملك من حنان. تحدثت إليه بصوت منخفض لمسته برفق روت له قصصا بسيطة لتخفف عنه أعطته الماء عدلت الوسادة وغيرت ملابسه وكأن هذا الطفل ابنها لا ابن رجل آخر.
عاد ديميلسون من عمله في وقت متأخر متعبا وما يزال يظن أنه كان مصيبا في كل ما قاله وفعله. صعد الدرج بخطوات ثقيلة وهو ينوي التأكد إن كانت المربية قد وصلت لتكون مع الطفل. لكنه ما إن فتح باب الغرفة حتى تجمد في مكانه وكأن قدميه التصقتا بالأرض.
كانت سيلما هناك جاثية إلى جانب السرير الصغير بزيها البسيط كما هو والقفازان في يديها تميل على الطفل بعناية شديدة تضع يدها على جبينه لتتأكد من حرارته وتعدل
أما الطفل فكان ضعيفا وشاحبا لكن يده الصغيرة كانت ممسكة بيد سيلما بثقة كاملة كأن تلك اليد هي المكان الأكثر أمانا في البيت كله. كان في المشهد شيء يقطع النفس طفل مريض يتشبث بمن بقي معه وامرأة فصلت رسميا منذ ساعات لكنها لم تتركه.
وفي الممر القريب من الغرفة انزلقت ورقة الفصل التي كانت في حقيبة ديميلسون وسقطت على الأرض دون أن ينتبه. أما هو فقد شعر بعقدة حقيقية في حلقه. لم يكن يعرف لماذا أوجعته تلك الصورة هكذا لكنه أدرك فجأة أن المرأة التي قرر الاستغناء عنها هي الشخص الوحيد الذي كان حاضرا فعلا من أجل ابنه في تلك اللحظة.
وقف عند الباب وكأن الزمن توقف ونظراته تتنقل بين وجه الطفل المتعب وبين سيلما التي لم تلحظ وجوده في البداية. كانت تبتسم للصبي محاولة أن تشجعه وتقول له بصوت خافت يختلط فيه الحنان بالقلق
اهدأ يا صغيري والدك سيصل الآن. أنا هنا معك لا تخف.
كانت الكلمات موجهة للطفل لكنها أصابت ديميلسون كضربة صامتة. لأنه أدرك في لحظة واحدة أن من كان ينبغي أن يقول هذه الجملة ويكون حاضرا
فتح الطفل عينيه ببطء وقبل أن يلتفت نحو الباب أو يبحث عن والده كان أول ما فعله أن فتش بيده عن يد سيلما وحين وجدها ضغط عليها بقوة. كان ذلك مجرد تصرف صغير لكنه مزق ديميلسون من الداخل. فهو الذي اعتاد أن يفاخر بأنه يستطيع شراء كل شيء أفضل المدارس أفضل الأطباء أفضل الألعاب اكتشف الآن أنه فشل في أبسط ما لا يشترى الحضور والانتباه والدفء.
عندها فقط انتبهت سيلما إلى وجوده. نهضت بسرعة محاولة أن تعيد ترتيب نفسها وكأنها تخشى أن تؤخذ عليها لحظة ضعف أو أنها تجاوزت حدودها. كان وجهها مرهقا وعيناها تحملان آثار يوم طويل لكنها حاولت أن تبدو ثابتة.
قالت بتوتر واضح
سيدي ديميلسون كنت أنوي الاتصال بك مجددا. كاوه لم يكن بخير منذ الصباح ورأيت أن أبقى معه حتى تصل.
حاول ديميلسون أن يستعيد نبرة الحزم التي اعتاد أن يتحدث بها لكن صوته خرج مختلفا أقل صلابة مما أراد. سألها وهو ينظر إلى الطفل ثم يعود بعينيه إليها
وأين المربية لماذا ليست هنا
أخذت سيلما نفسا عميقا ثم قالت بهدوء يحاول أن يخفي ارتباكها
اتصلت بي وأخبرتني أنها لن تتمكن من الحضور اليوم بسبب ظرف طارئ. كنت سأغادر بعد أن أنهيت