رأى مربيته تُرضع ابنه… فكانت الحقيقة أعظم مما تخيّل

لمحة نيوز

عن ماريا لن تغير رأيه فيها فقط بل ستعيد تشكيل نظرته إلى التحيز والفقد والأمومة والقوة العجيبة لامرأة خسرت كل شيء ومع ذلك وجدت في حب طفل ليس طفلها معنى للبقاء.
كان إدواردو على وشك أن يكتشف أن انطباعاته الأولى عن ماريا سانتوس لم تكن خاطئة فحسب بل كانت نقيض الحقيقة تماما. وبينما كان يعد القهوة في مطبخ القصر منتظرا أن تضع ماريا غابرييل في فراشه أخذ يسترجع ما حدث في الأشهر الأخيرة. كانت وفاة كاميلا كارثة حقيقية لا لأنها سلبته حب حياته فقط بل لأنها رحلت بعد شهرين من ولادة غابرييل. لم يكد الرضيع يعرف أمه وها هو إدواردو يجد نفسه أبا وحيدا لطفل بدا كأنه يرفضه باستمرار. كان غابرييل يبكي كلما حمله والده لكنه يهدأ سريعا مع غرباء ممرضات المستشفى والآن مع ماريا. وكان إدواردو يعزو ذلك دائما إلى أنه رجل مشغول غير ماهر في عناية الرضع.
لكن رد فعل غابرييل تجاه ماريا زرع في داخله سؤالا مزعجا هل المشكلة في قلة خبرته أم أن هناك شيئا أعمق هل كان الطفل يلتقط ذلك الجليد العاطفي الذي يعرف إدواردو أنه يحمله في طباعه كان هذا التفكير يزعجه ويهزه من الداخل.
وعندما نزلت ماريا الدرج بعد أن نام غابرييل لاحظ إدواردو تفاصيل لم ينتبه لها من قبل. فعلى الرغم من ملابسها المتواضعة ومظهرها البسيط كان في حركاتها شيء من تهذيب لا ينسجم مع الصورة التي رسمها عنها. كانت تتحدث البرتغالية بسلامة لغوية لافتة دون الأخطاء التي كان يتوقعها ممن افترض أنها أقل تعليما. وكانت إشاراتها رقيقة ويداهاعلى ما فيهما من آثار تعب العملمعتنى بهما أكثر مما تخيل.
بدأ الحديث متوترا وإدواردو يطالب بتفسير بنبرة آمرة اعتادها مع العاملين لديه. لكن ما إن بدأت
ماريا تسرد قصتها حتى تغير الجو بينهما. تحدثت عن فقدان طفلتها ذات الشهرين فتاة اسمها آنا كلارا بسبب مضاعفات التهاب رئوي لم يشخص في الوقت المناسب في مستشفى حكومي في كارا بيكويبا. وقالت إن الوفاة حدثت قبل ستة أسابيع فقط من بدء عملها في منزل إدواردو. وشرحت أنها ما تزال تدر الحليب وأن رؤية غابرييل يبكي بيأس ويرفض الرضاعة أثارت فيها غريزة أمومية جارفة. كانت تعرف أنها تتجاوز حدودا مهنية لكنها شعرت أن ألم طفل يتعذب أقوى من أي بروتوكول. كانت كلماتها مشبعة بألم صادق عميق جعل إدواردو يشعر بعدم ارتياح لاندفاعه الأولي بالغضب.
ثم جاء التحول الأكبر حين بدأت تتحدث عن وضعها المالي فكان ذلك أول صدمة حقيقية يتلقاها إدواردو. كشفت ماريا أنها قبل عملها كمربية كانت ممرضة أطفال متخرجة من الجامعة الفيدرالية في ساو باولو ومتخصصة في طب حديثي الولادة. عملت خمسة عشر عاما في مستشفى كلينيكاس تعتني بالخدج والمواليد الذين يعانون مضاعفات طبية. لم تكن مهارتها مع الرضع حدسا فقط بل معرفة تقنية عميقة صنعتها سنوات الدراسة والتجربة.
أصيب إدواردو بالذهول. كيف تعمل ممرضة متخصصة كمربية ولماذا لم تذكر مؤهلاتها في المقابلة شرحت ماريا أنها فقدت عملها بسبب تقليصات ميزانية خلال الجائحة. ومع رضيع جديد وعدم وجود مدخرات أمضت أشهرا تبحث عن فرصة في المجال الطبي لكن الأزمة جعلت كثيرا من المستشفيات تقلص التوظيف بشكل حاد. وحين مرضت آنا كلارا أنفقت ماريا كل ما تملك محاولة إنقاذها زيارات خاصة أدوية مكلفة فحوصات لم يكن النظام العام قادرا على توفيرها بسرعة. وحتى مع معرفتها الطبية لم تستطع إنقاذ طفلتها. كانت مفارقة قاسية ممرضة تكرس حياتها لإنقاذ
أطفال الآخرين لكنها تفشل في إنقاذ طفلتها. هذه المفارقة حطمتها من الداخل.
بعد وفاة آنا كلارا وجدت ماريا نفسها بلا عمل وبلا مال وتحت ديون كبيرة من تكاليف العلاج. وكان والد الطفلة قد هجرها أثناء الحمل تاركا إياها تواجه الأمومة ثم الفاجعة وحدها. قالت إن قبول وظيفة أقل بكثير من مؤهلاتها كان مسألة بقاء فهي تحتاج إلى سداد الديون وتكاليف دفن طفلتها وتأمين مسكن لها.
كان إدواردو يستمع والصدمة تكبر في ملامحه. المرأة التي صنفها موظفة بسيطة بلا تعليم كانت في الحقيقة محترفة عالية التأهيل دفعتها الظروف لأن تعمل دون مستواها الحقيقي. والأكثر من ذلك أنهارغم فقدهاكانت تمنح ابنه حبا ورعاية تتجاوز أي واجب وظيفي.
لكن إدواردو لم يكن قد سمع الجزء الأكثر إيلاما بعد. عندما سألها عن تفاصيل موت آنا كلارا ترددت ماريا وكان في انكسار نظرتها ما يوحي بأنها تخفي شيئا. بحكم خبرته في التفاوض أحس إدواردو بأنها تحجب معلومة حاسمة. وحين ضغط عليها قالت الحقيقة التي جعلته لا ينام أسابيع لم تمت آنا كلارا بسبب المضاعفات الطبية وحدها بل لأن المستشفى الحكومي في كارا بيكويبا كان في إضراب ولم تستطع الحصول على رعاية في الوقت المناسب. وحين نجحت أخيرا في نقل ابنتها إلى مستشفى خاص كان الوقت قد تأخر. ماتت الطفلة بين ذراعي ماريا في ممر المستشفى وهي تتوسل تدخلا جاء بعد فوات الأوان.
ثم أضافت ما جعله يرتجف من الداخل ولدت آنا كلارا في اليوم نفسه الذي ولد فيه غابرييل. العمر ذاته تماما. غابرييل جاء إلى الدنيا في مستشفى خاص فاخر في ساو باولو بأفضل الأطباء والتجهيزات بينما جاءت آنا كلارا عبر نظام عام محدود الموارد والرعاية. بضع كيلومترات فقط بين
موما وكارا بيكويبا صنعت مصيرين متناقضين لطفلين ولدا في اليوم نفسه.
قالت ماريا إنها عندما رأت إعلان وظيفة مربية لطفل حديث الولادة شعرت أن شيئا ما يدفعها للتقدم. كأن رعاية غابرييل طريقة لتكريم ذكرى آنا كلارا وقناة لتصريف الحب الذي لم تعد تستطيع تقديمه لطفلتها. كان نمو غابرييل الصحي مصدر فرح لها وفي الوقت نفسه جرحا مفتوحا يذكرها يوميا بابنتها التي رحلت.
في تلك اللحظة اتخذ إدواردو قرارا غير متوقع بدل التركيز على البروتوكولات وحدود الوظيفة قرر أن تبقى ماريا مع غابرييل كما هي بل وأن يعترف بمؤهلاتها الحقيقية. عرض عليها ترتيبا جديدا أن تعين لا كمربية بل كممرضة خاصة لغابرييل براتب يليق بتخصصها. وتعهد بأن يساعدها في سداد الديون الطبية المرتبطة بعلاج آنا كلارا وأن يمول لها دراسة عليا لتحديث تخصصها والعودة إلى مسارها المهني.
وقفت ماريا مشلولة من المفاجأة. لقد دخلت الحديث خائفة من الطرد وربما الملاحقة القانونية لأنها أرضعت الطفل دون إذن فإذا بها تتلقى عرضا يغير حياتها راتبا أكبر بأضعاف وفرصة لإعادة بناء مستقبلها.
ثم فاجأها إدواردو أكثر عرض أن يوفر لها شقة في نفس المجمع السكني القريب من القصر لتكون متاحة لغابرييل دون أن تفقد استقلالها وخصوصيتها. في لحظات تبدل كل شيء بينهما. رجل الأعمال البارد اكتشف في نفسه اهتماما إنسانيا حقيقيا بسعادة موظفة. وماريا التي ظنت أن الأمل مات معها رأت أبوابا كانت مستحيلة قبل ساعات.
لكن الأيام التالية حملت مفاجآت أخرى. غابرييل لم يهدأ فقط بل بدأ يزدهر. الطفل الذي كان يرفض الطعام وينام بصعوبة صار ينام بطمأنينة يتغذى جيدا ويبدو سعيدا. وإدواردو نفسه بدأ يتغير لأول مرة منذ وفاة
كاميلا شعر
تم نسخ الرابط