زيّف موته ليهرب… لكنها أعادته للحياة أمام الجميع!
منا أخذ ما يريد أنت أنقذت عملك وأنا ملأت معدتي لست غبية يا سيدي أعرف أن مئة مليون لا تدخل في جيبي الممزق
اقترب فارد حتى صار في مستواي متجاهلا أن بنطاله الذي يساوي ثروة يلامس أرضا وطأتها قدماي المتسختان
قال بنبرة مختلفة هاربر أليس كذلك
أومأت
قال هاربر في ثقافتي وفي عالم الأعمال الحقيقي الكلمة قانون إن خالفت كلمتي لك خالفت شرفي وشرفي أغلى من كل المال في تلك الخزنة
أخرج هاتفه واتصل أريد الفريق القانوني ومدير البنك هنا فورا نعم إلى المكتب وأحضروا موثقا رسميا ثم أغلق ونظر إلي مبتسما
لن أعطيك المال نقدا سيهاجمك أحد قبل أن تخرجي من هذا المبنى سنفتح صندوقا ائتمانيا اليوم اليوم يا هاربر مارتينيز ستتوقفين عن كونك غير مرئية
لم أبك كنت أريد لكنني لم أفعل فقط شعرت أن البرد الذي عاش في عظامي شهورا بدأ يذوب ببطء ببطء شديد
سألته لماذا كان يكفي أن تعطيني مئة دولار وأكون سعيدة
قال وهو يلمس كتفي لأنك أثبت أن الذكاء لا يسكن البدلات ولا الجامعات الباهظة الذكاء يسكن حيث يوجد جوع للتعلم وأنت لديك جوع أكثر من أي شخص عرفته
في ذلك اليوم تغيرت حياتي لا بسبب المال وحده بل لأن أحدا رآني لأول مرة لم ير طفلة فقيرة بل رأى الإمكان وهذه دين لا يستطيع المال سداده
وبعدها حضرت مجموعة المحامين كأنهم سرب مفترسات يشم رائحة الفرصة من بعيد دخلوا بوجوه جامدة وبدلات رمادية متشابهة ونظرات لا تعرف الشفقة حين رأوني جالسة بملابس جديدة لكن بعينين قديمتين رأيت على ملامحهم خليطا من الامتعاض والارتباك والرغبة في السيطرة على المشهد
بدأت الأسئلة القانونية تنهال
قلت لا أملك هوية
قيل بدونها لا حساب
عندها قال فارد ببساطة سنعالج الأمر قبل العشاء
قادني إلى حمام خاص داخل مكتبه كان أكبر من أي غرفة نمت فيها يوما مناشف بيضاء صابون برائحة خزامى ودش زجاجي قال بهدوء لا يحمل شفقة بل احتراما اغتسلي يا هاربر اليوم تبدأ حياتك الجديدة والحياة الجديدة يدخلها المرء بوجه نظيف
وقفت أمام المرآة وحدي رأيت الأوساخ الشعر المتشابك عينين لطفلة عرفت قسوة أكثر مما ينبغي فتحت الماء الساخن امتلأ المكان ببخار دافئ نزعت ثيابي البالية ذلك الدرع القذر الذي كان يحميني من الشتاء وحين لامس الماء الساخن جلدي انهمرت دموعي لم أبك حين جعت ولم أبك حين رفضتني البيوت ولم أبك حين فتحت الخزنة لكن الدفء ذلك الدفء البسيط كسر شيئا في داخلي بكيت لأنني أدركت كم تألمت وأنا أحاول فقط أن أوجد
خرجت ملفوفة بمنشفة كبيرة كان قد أرسل مساعدته لتشتري ملابس مريحة بنطال جينز سترة رمادية حذاء جديد وجوارب سميكة حين ارتديتها شعرت عدت إلى غرفة الاجتماعات لم أعد طفلة الشارع كما كنت قبل ساعة ما زلت هاربر لكنني صرت هاربر التي استعادت درعها هذه المرة درعا جديدا لامعا
وقعت أوراق الصندوق الائتماني كان قلمي يرتجف قال أحدهم بابتسامة رسمية تهانينا يا آنسة مارتينيز أصبحت من أغنى أشخاص نيويورك
نظرت إلى الأصفار على الورق أصفار كثيرة لا تشبه شيئا من عالمي
قلت وأنا أنظر إلى فارد لا أريد المال لشراء الأشياء أريد أن أستخدمه لإخراج الآخرين
سأل الآخرين
قلت الأطفال الأذكياء الذين يرمون مع القمامة من يرفضهم النظام لأن ثيابهم ليست نظيفة
ابتسم فارد ابتسامة رأيت فيها فخرا صادقا لأول مرة إذن يا شريكتي أمامنا عمل كثير
ومع انتشار الخبر جاءت ذئاب من نوع آخر موظفون يريدون السيطرة وأقارب تذكروا فجأة أن لهم حقا في دمي حين سمعوا عن المال دخلوا علي بدموع مصطنعة يريد شراء المكانة لكنني لم أعد تلك الطفلة التي تقاد بالبكاء تعلمت من الشارع أن الحقيقة تختبر بالأفعال لا بالشعارات
قدمت لهم خيارين واضحين إما أن يأخذوا مسؤوليتي دون أن يلمسوا المال سنوات طويلة وإما أن يبتعدوا نهائيا مقابل مبلغ واحد لا يساوي شيئا مما يطمعون به ولم يحتج الأمر لوقت طويل حتى اختاروا المال وغادروا عندها شعرت بفراغ لم يكن وجعا بقدر ما كان وضوحا بعض الناس لا يأتون لأنهم يفتقدونك بل لأنهم سمعوا أن لديك ما يؤخذ
مرت سنتان بقي الشتاء في نيويورك قاسيا لكنني لم أعد أرتجف كما كنت أصبحت في الثانية عشرة وعقلي يسير في طرق لا يراها كثير من الكبار صار فارد رسميا أبي بالتبني لم يفسدني أعطاني ما هو أندر من الرفاه أدوات
مدرستي صباحا كانت لطلاب موهوبين وفي المساء كنت أتعلم في شركته كيف تتحرك الإمبراطوريات أما الليل فكان لمشروعي أنشأت مشروعا لم أرده عملا خيريا شكليا بل خطة إنقاذ حقيقية البحث عن الأطفال غير المرئيين لا الفقراء فقط بل اللامعين الذين يهدرهم النظام
كنا نلتقط الإشارات الصغيرة طفل يخترق شبكة المدرسة لينجز واجبه طفل يصلح راديو الجيران بقطع مكسورة طفل يعيش على الفطنة وحدها نعثر عليهم نخرجهم ونعطيهم ما منح لي فرصة
في أحد أيام الشتاء نزلت إلى محطة مترو في برونكس
رأس لأبدو عادية رصد فريقنا خللا في شبكة الكهرباء شخص ما يحول الطاقة ليغذي شيئا لا ليسرقها عبثا تقدمت إلى نهاية الرصيف حيث العتمة سيدة المكان خلف بوابة صيانة رأيت ضوءا خافتا
كان هناك طفل لا يتجاوز الثامنة جالسا على الأرض أمامه حاسوب قديم مركب من أجزاء أجهزة أخرى موصول بأسلاك النفق كان يبرمج حين اقتربت ارتعب وحاول إغلاق الجهاز
قلت بالإسبانية بهدوء لا تخف ثم أضفت في شفرتك خطأ في السطر الأربعين لذلك تسخن البطارية
رفع عينيه إلي بعينين أعرفهما جيدا عيني حيوان مجروح لا يثق بالعالم
سأل هل أنت من الشرطة
انحنيت أمامه ونزعت غطاء الرأس قلت لا أنا هاربر وقبل عامين كنت أنام في تلك الزاوية هناك
أخرجت شطيرة ديك رومي بالجبن وقدمتها له قال بصوت خافت أنا جائع
ابتسمت أعرف
ثم قلت لكن لديك عقل يساوي أكثر من هذا القطار كله ما اسمك
قال ماتيو
قلت حسنا يا ماتيو هل تريد أن تكمل الشفرة هنا في الظلام أم تأتي معي لتتعلم أشياء أكبر
نظر إلي وكأنني كائن غريب هل أنت جادة
قلت تماما لكن لدي شرط واحد ستستحم
مد يده وأمسك يدي في تلك اللحظة فهمت أن المئة مليون لم تكن الجائزة الحقيقية الجائزة كانت أن أضيء نورا في مكان تركه العالم للظلام
خرجنا من المترو والبرد يلسع الوجوه في الخارج لكننا كنا نحمل دفئا مختلفا في الداخل أنا هاربر مارتينيز كنت الطفلة غير المرئية كنت فتاة الرصيف التي يمر عليها الناس كأنها لا شيء والآن صرت أبحث عن الآخرين الذين ما زالوا هناك ينظرون إلى أضواء الأبراج ويحلمون بشطيرة
وإن كنت تظن أن النظام نسيك فابق عينيك
ربما فقط ربما نحن الذين نبحث عنك