عاد إلى المنزل دون إنذار فوجد الخادمة تفعل شيئًا مستحيلًا مع أطفاله الثلاثة
المحتويات
لوحاتها الملونة معلقة على الجدران رسمتها في الليالي التي لم تستطع فيها النوم. فنجان قهوتها لا يزال في الخزانة غير مغسول في الموضع الذي تركته فيه في ذلك الصباح الأخير. خطها لا يزال على ورقة المشتريات الملصقة على الثلاجة حليب بيض توت أزرق لا تنس دواء ميك.
لم يستطع أن يزيلها.
في الليل بعد أن تضع جين الأولاد في أسرتهم كان بنجامين يتمشى في أرجاء البيت كأنه يبحث عن شيء فقده ولن يجده. أحيانا يقف أمام باب غرفة النوم الرئيسية لكنه لا يدخل. السرير لا يزال مرتبا كما تركته أماندا. وسادتها لا تزال تحمل انحناءة رأسها. كتابها لا يزال على المنضدة وعلامة الكتاب في منتصفه. كان يشعر أن تغيير أي شيء يعني محوها فينام بدلا من ذلك على أريكة مكتبه محاطا بعمل لم يعد يعني له شيئا.
قرابة منتصف الليل وبينما كان يتجول كعادته بلا هدف لمح وهج مصباح القراءة في المكتبة. دخل بهدوء. كانت جين جالسة في زاوية الأريكة الجلدية حافية القدمين كتاب مفتوح. بدا عليها السلام كأن ثقل البيت لا يضغط فوقها كما يفعل معه.
تنحنح بلطف. رفعت جين رأسها. لم ترتعب اكتفت بأن تنظر إليه بهدوء.
قال لم تستطيعي النوم أيضا
هز رأسه نفيا وتقدم خطوة إلى الداخل. للحظة لم يعرف ما يفعل ثم جلس على الأريكة المقابلة لا قريبا جدا ولا بعيدا.
الصمت بينهما كان مختلفا عن الصمت في بقية البيت. لم يكن ثقيلا خانقا كان صمتا موجودا فحسب.
سألها ما الذي تقرئينه
رفعت الكتاب قليلا محبوبة لتوني موريسون.
قال قراءة ثقيلة لوقت النوم.
قالت ببساطة الأفكار الثقيلة تحتاج إلى كتب ثقيلة.
كاد يبتسم. تقريبا.
جلسا في هدوء لدقائق. لم يكن يعرف ماذا يقول. لم يعرف كيف يشكرها على ما فعلته مع أبنائه. لم يعرف كيف يطلب منها أن تواصل ما تفعله دون أن يبدو يائسا. أخيرا تكلم
لقد ضحكوا البارحة.
لم يستطع أن يكمل.
قالت جين بهدوء منذ وفاة أماندا أليس كذلك
كان سماع اسم زوجته مثل ضربة قوية في صدره. معظم الناس تجنبوا ذكر اسمها وكأن نطقها سيكسره. لكن جين لم تشح بنظرها.
قالت إنهم يتحدثون عنها. الأولاد. يحكون لي عنها.
انقبض حلقه.
ماذا يقولون
قالت يقولون إن رائحتها تشبه رائحة الزهور. إنها كانت تغني بنشاز في السيارة. وإنها كانت تسمح
لسعت الدموع عينيه. كانت تلك تفاصيل صغيرة نسيها أشياء كانت تجعله يضحك ظن أنها ضاعت معه حتى أعادتها جين إليه من خلال الصغار.
همس شكرا لك لأنك تذكرينني بها من خلالهم.
أغلقت جين الكتاب ونهضت.
تصبح على خير يا بنجامين.
وغادرت بهدوء تاركة إياه يجلس وحده يشعر أنه أقل فراغا مما كان عليه منذ أشهر. ربما لم تكن تساعد أولاده على الشفاء فحسب ربما كانت تساعده هو أيضا.
مرت ثلاثة أسابيع. وجد بنجامين نفسه يبحث عن أي سبب ليبقى في البيت. ينهي مكالماته مبكرا يتخطى عشاءات المستثمرين يقدم أعذارا لمساعده عن سبب عدم قدرته على السهر في المكتب. الحقيقة كانت بسيطة بيته لم يعد يبدو قبرا بعد الآن.
في إحدى الليالي عاد إلى البيت حوالي الثامنة. كان الأولاد قد ناموا. سمع أزيز غسالة الصحون في المطبخ. كل شيء كان يبدو عاديا هادئا. ثم سمع ذلك الصوت. بكاء. ناعم مكسور. من النوع الذي يصدره الإنسان عندما يتأكد أن لا أحد يسمعه.
اشتد شيء في صدره. اتجه بهدوء نحو المطبخ وتوقف عند الباب. كانت جين جالسة وحدها إلى الطاولة ظهرها نحوه كتفاها ترتجفان. في يديها كانت تمسك شيئا صغيرا ميدالية فضية مفتوحة تعكس الضوء. لم تسمعه كانت غارقة في ألمها. بقي واقفا لا يتحرك ولا يتكلم يراقب المرأة التي كانت قوية وثابتة أمام أبنائه وهي تنهار الآن وحدها في مطبخه.
أخيرا شعرت بوجوده. التفتت برأسها. عندما رأته واقفا اتسعت عيناها. مسحت وجهها سريعا تحاول أن تستعيد تماسكها.
أنا آسفة قالت وصوتها متحشرج. لم أقصد سأغادر الآن
قال بهدوء من في الميدالية
تجمدت. شدت أصابعها على السلسلة الفضية. لثوان طويلة لم تجب. ثم بصوت منخفض لدرجة أنه بالكاد يسمع
اسمها كان هوب.
تقدم بنجامين وجلس قبالتها.
تكسر وجه جين وانهمرت دموعها من جديد.
قالت ماتت قبل عامين. سرطان الدم. كان عمرها ثلاث سنوات.
علقت الكلمات في الهواء كالدخان.
شعر بنجامين بانكسار داخلي.
تابعت كانت ابنتي ارتعش صوتها. ابنتي الصغيرة. حاربنا عاما كاملا مستشفيات علاجات رأيتها تضعف يوما بعد يوم. تفقد شعرها. تتلاشى طفولتها وتتحول لشخص لا أعرفه.
ارتجفت يداها وهي تفتح الميدالية أكثر لتريه الصورة الصغيرة بالداخل.
قالت زوجي لامني. قال إن علي أن ألاحظ الأعراض مبكرا. أن أضغط على الأطباء أكثر. أن أفعل شيئا أي شيء لأنقذها. لم يحتمل زواجنا ذلك. أخذ في الطلاق كل شيء يخصها صورها ألعابها ملابسها لم يترك لي سوى هذه الميدالية.
ضاق حلق بنجامين أكثر. لم يستطع الكلام.
قالت جين وصوتها ينكسر تماما أصبحت مربية لأنني لا أعرف كيف أعيش في عالم بلا ضحكات أطفال. هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الصمت محتملا. عندما سمعت عن أبنائك وعن ما فقدوه ظننت أنه ربما ربما أستطيع مساعدتهم بطريقة لم أستطع أن أساعد بها ابنتي.
رفعت عينيها إليه والدموع تنهمر على وجهها.
أنا آسفة. أعلم أن هذا غير مهني. أعلم أنه لا ينبغي لي أن
قاطعها بنجامين وصوته خشن
أنت لا تساعدينهم على الشفاء فقط أنت تشفين نفسك أيضا.
هزت رأسها.
لا أظن أنني سأشفى يوما.
قال ربما لا لكن حبك لأبنائي يبقيك على قيد الحياة. تماما كما أنك تبقينهم هم على قيد الحياة.
مد يده ووضعها فوق يدها. كانت أصابعها باردة وترتجف.
جلسا على هذه الحال طويلا. شخصان يغرقان في الحزن يتمسكان ببعضهما في الظلام.
همست هل يصبح الأمر أسهل هذا الاشتياق
فكر في أماندا. في الفراغ الذي تركته. في كل صباح لا يزال يمد يده إلى جانب السرير فلا يجدها.
قال بصدق لا. لكنه يتحول إلى شيء آخر يصبح جزءا منك. حضورا لا غيابا.
أومأت برأسها بينما لا تزال دموعها تتساقط. أغلقت الميدالية ببطء وضغطتها على قلبها.
همست شكرا لأنك لم تتجاهلني.
قال شكرا لأنك حضرت.
وفي تلك اللحظة تغير شيء ما بينهما. لم يعودا رب عمل وموظفة فحسب بل روحين مكسورتين وجد كل منهما الآخر بين الأنقاض. ربما كان هذا ما يسمى نعمة.
حل يوم الأم كظل يحاول بنجامين الهروب منه.
استيقظ في ذلك الصباح وصدره ضيق منذ اللحظة الأولى. في العام الماضي كانت أماندا لا تزال حية. صنع الأولاد لها بطاقات مليئة بشخبطة الشمع وبصمات أيديهم الصغيرة. بكت أماندا من الفرح وعلقت البطاقات على الثلاجة وبقيت هناك لشهور. هذا العام كانت الثلاجة فارغة.
خطته كانت بسيطة أن يأخذ الأولاد إلى المقبرة يقول بضع كلمات يعود إلى البيت ينجو من اليوم. هذا كل ما يحتاج إليه
كانت جين جالسة على الأرض مع ريك ونيك وميك تحيط بهم أوراق ملونة وأقلام شمع وغراء. كانوا يصنعون بطاقات. شعر قلبه يهبط ويعلو في الوقت نفسه. كانت تساعدهم في صنع شيء لأماندا بالطبع. فهي تفهم ما يعنيه هذا اليوم. اقترب بهدوء يراقب من دون كلام.
رفع ميك رسمته أولا. شكل بسيط لإنسان ببشرة داكنة وابتسامة كبيرة محاط بقلوب. وعلى البطاقة بخط متعرج إلى جين أنت تجعليننا نبتسم.
اختنق نفس بنجامين.
بطاقة ريك كانت تقول أنا أحبك يا جين مع ثلاثة أشخاص يمسكون بيدها.
بطاقة نيك كانت أكثر فوضوية لكنها واضحة امرأة على يديها وركبتيها وصبية على ظهرها.
لم يكونوا يصنعون بطاقات لأمهم كانوا يصنعونها لجين.
شعر بنجامين بشيء يلتف حول قلبه خليط من الألم والارتياح.
نظرت جين إليه ورأته واقفا. شحب وجهها. نهضت بسرعة وكادت تسقط عبوة الغراء.
قالت بصوت مهتز لم أطلب منهم فعل هذا أقسم. قلت لهم إنه علينا أن نصنع بطاقات من أجل من أجل أمهم.
أكمل بنجامين وصوته مشدود من أجل أماندا.
قالت جين وعيناها تمتلئان بالدموع نعم لكنهم
قاطعها نيك وهو يرفع بطاقة أخرى. كانت هذه المرة تحمل أجنحة ملاك وزهورا وعليها كلمات شمعية نفتقدك يا أمي.
شعر بنجامين وكأن الهواء خرج من رئتيه. لم ينس الأولاد أمهم. لقد وسعوا مساحة قلوبهم لشخص آخر فحسب.
جذب ميك كم بنجامين
هل يمكن لجين أن تأتي معنا لترى ماما
نظر بنجامين إلى جين. كانت تهز رأسها بالفعل وتتراجع خطوة
لا لا ينبغي. هذا شيء خاص. هذا من أجل عائلتكم.
قال ميك ببساطة أنت عائلتنا.
تعلقت الكلمة في الهواء. لم يعرف بنجامين ما يقول. أن يأخذ جين معه إلى قبر أماندا بدا كأنه تجاوز لخط لا يمكن العودة بعده كأنه لشيء مقدس. لكن أبناءه كانوا ينظرون إليه بأعين واسعة مفعمة بالأمل. وجين تقف هناك خائفة من أنها أفسدت كل شيء.
قال وهو بالكاد يسمع صوته إن كانت تريد أن تأتي فلتأت.
اتسعت عينا جين بنجامين هل أنت متأكد
لم يكن متأكدا لكنه أومأ برأسه.
بعد ساعة وقفوا جميعا أمام قبر أماندا. بنجامين جين وثلاثة صبية لا يفهمون لماذا يجب أن يكون الحب معقدا إلى هذا الحد. وضع
أمسك ميك بيد جين وسحبها إلى
متابعة القراءة