الطفلة الصغيرة التي أعادت للثري معنى الإنسانية

لمحة نيوز

والمأوى والغذاء للأطفال المحرومين.
وقال في يوم الافتتاح
إن كانت علبة حليب واحدة قادرة على إنقاذ ثلاث أرواح فتخيلوا ما يمكن أن نفعله لو اهتممنا قليلا ببعضنا.
وقفت إميلي إلى جانبه في ذلك اليوم ترتدي فستانا أبيض بسيطا.
همست له
شكرا لأنك استمعت إلي تلك الليلة.
فابتسم قائلا
لا يا إميلي شكرا لأنك ذكرتني بمعنى الإنسانية.
ومضت الأعوام تتابعت كما تتتابع صفحات كتاب لا يمل المرء من قراءته حتى صارت إميلي فتاة ناضجة مليئة بالحكمة التي لا تمنح عادة إلا لمن اختبر الألم صغيرا.
لم تكن تلك الطفلة التي ارتجفت يوما وهي تضم علبة الحليب إلى صدرها لتسكت جوع إخوتها بل أصبحت شابة تقف بثبات فوق منصة التخرج في جامعة هارفارد وسط تصفيق يهز القاعة.
وفي عينيها بريق لا يلمع من أجل التفوق الأكاديمي وحده بل من أجل كل ليلة نامت فيها خائفة وكل صباح استيقظت فيه على
برد الشوارع وكل يد امتدت لتسحبها خطوة واحدة نحو النجاة.
وبينما ارتدى زملاؤها أروابهم الفاخرة كانت هي ترتدي ذاكرة كاملة حكاية لا تغيب عن قلبها تبدأ من تلك اللحظة التي مد فيها رجل غريب قلبه قبل يده.
كبرت إميلي لكن الحادثة التي غيرت مصيرها لم تكبر معها بقيت ثابتة نقية كأن الزمن لا يجرؤ على لمسها. كانت تعود إليها دائما الليلة التي سرقت فيها علبة حليب لإنقاذ أخويها الصغيرين الليلة التي كان يمكن أن تنتهي بكارثة لولا أن عيون رجل واحد رأت طفلة تستغيث بدل أن ترى مذنبة.
وكان الجمهور كلما روت قصتها في محاضرة أو لقاء أو أمسية خيرية يصمت أولا ثم تلمع الدموع في العيون.
لم تكن دموع حزن بل دموع انبهار بالقدرة الإنسانية على النهوض من العدم وعلى التحول من مجرد ضحية إلى مصدر إلهام.
لقد أدركت إميلي شيئا مهما
أن المعجزات ليست أحداثا خارقة ولا تأتي من
السماء فجأة
المعجزات بكل بساطة تصنع من لحظة اهتمام صادق من كلمة دافئة تقال في الوقت المناسب من يد تمتد لإنقاذ قلب صغير من الانكسار.
وتغير العالم داخل ريتشارد أيضا.
كان يوما رجل أعمال ضخما يقيس حياته بالأرباح والخسائر ويرى النجاح في الأبراج الشاهقة والمكاتب اللامعة.
لكن مع مرور السنين صار يرى النجاح الحقيقي في شيء آخر تماما
في قدرة طفل على الضحك من جديد
وفي دفء بيت يعج بالصور والرسومات
وفي وجبات يتشاركها مع ثلاثة أطفال كانوا يوما غرباء عنه وصاروا الآن قلب بيته وروحه.
كانت حياته يوما عن القوة الصفقات النفوذ
أما الآن فقد صارت عن الغاية
أن يترك خلفه عالما أكثر عدلا وأكثر رحمة وأكثر إنسانية.
وتومي الذي كان يبكي جوعا في ذلك الزقاق المظلم أصبح شابا مفتونا بشاشات الحاسوب وأسرار البرمجة.
أما غريس الصغيرة فقد كبرت وهي تنثر في البيت ضحكات لا
تنتهي ترسم على الجدران قلوبا ونجوما ووجوها تشبه عائلتها الجديدة.
ولم تعد الشوارع الباردة تخيفهم.
لم تعد الأرصفة مواطنا للنوم ولا الجسور مأوى للحياة.
لقد صار لهم بيت وجدران دافئة ومائدة تغص بالحب قبل الطعام.
وصار لهم أب ليس بيولوجيا بل أبا اختار أن يحب واختار أن ينقذ واختار أن يمنح فرصة ثانية.
وتحول الماضي من جرح ينزف إلى شهادة قوة ومن عبء إلى جناحين.
وفي كل خطاب تلقيه إميلي كانت تكرر سؤالا واحدا
هل يمكن لفعل صغير أن يغير حياة كاملة
ثم تبتسم ابتسامة تعرف الإجابة جيدا.
فتقول للجمهور
نعم كل شيء يبدأ بفعل صغير.
بالتفاتة بصدفة بسؤال بسيط هل أنت بخير
التعاطف لا يحتاج إلى ثروة يحتاج فقط إلى قلب مستعد لأن يرى.
وكان الناس لا يبكون من الأسى بل من الأمل.
لأن قصة إميلي كانت تذكيرا بأن الظلام لا يصمد أمام شمعة
وأن إنقاذ حياة ليس دوما عملية معقدة
أحيانا
يبدأ كل شيء بعلبة حليب صغيرة وبقلب كبير.

تم نسخ الرابط