الأميرة البدنه والعبد الاسود

لمحة نيوز

في لحظة غضب ملكي.
غرفتها الجديدة لم تكن إلا مخزنا قديما أعيد تجديده على عجل جدران باردة نافذة صغيرة لا تطل على شيء وفراش رقيق بالكاد يكفي لصد برد الليل.
تلك الليلة تمددت فوق الفراش تستمع إلى المطر وهو يضرب الزجاج بإيقاع حزين يشبه قلبها.
حدقت في السقف الطويل.
شعرت بفراغ غريب مساحة لم تعرفها من قبل.
كان الصمت الذي يلفها ليس صمت الاحتقار ولا صمت الأوامر بل صمتا جديدا صمتا لم يصدر حكما عليها.
وفي ذلك الصمت ولأول مرة في حياتها شعرت بالخوف.
ليس خوفا من الظلم بل خوفا من نفسها.
من المجهول الذي ينتظرها.
من المصير الذي جرت إليه.
مع أول خيوط الفجر نهض الرجلزوجها المفروضبهدوء شديد يتحرك كمن يخشى إيقاظ الريح.
راقبته بصمت من فراشها.
لم
يكن عليها أن تأمره أو تنهره كما كانت تفعل مع الخدم قديما فقد كانت تعرف أن هذا الرجل لم يعش يوما ليعامل كإنسان كامل.
لأعوام طويلة أحاطت بها وجوه الخدم الذين يبتسمون لها وهم يخفون أحكامهم يطيعونها ظاهريا بينما يراقبون ضعفها عند أدنى فرصة.
لكن هذا الرجل كان وحده.
وحيدا بطريقة لا تشبه أحدا.
لم يملك رفاهية التظاهر أو التملق أو الحسد.
اقترب بخطوات هادئة وهو يحمل سلة صغيرة ثم قال بصوت خافت يكاد لا يسمع
هل ترغب السيدة ببعض الخبز
ترددت. كانت كبرياؤها يقاتل الكلمات.
ثم قالت
لست جائعة.
كانت تكذب.
لكنها عجزت عن الاعتراف بالجوع أمام رجل وضعه الملك في مرتبة أقل من أن يرى.
أومأ الرجل ببساطةبلا تعليق بلا سخريةثم خرج.
في اليوم الثاني جاء ليحمل
الحطب.
في الثالث نظف الغرفة القديمة بإتقان لا تتوقعه منه.
في الرابع أشعل نار المدفأة دون أن ينتظر أمرا.
في الخامس رتب أشياءها المتناثرة التي لم تفلح في التعامل معها.
في السادس ترك زهورا برية فوق الطاولةزهورا صغيرة ذابلة الأطراف لكنها بدت أجمل من كل باقات القصر المذهبة.
وفي السابع حدث ما لم تتوقعه.
كسرت الصمت.
قالت وهي تشعر لأول مرة أنها لا تتحدث من علياء
ما اسمك
توقف الرجل.
التقت عيناه بعينيها للمرة الأولى.
لم تكن عيناه خاضعتين ولا متحديتين بل كان فيهما شيء يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ثم قال بصوت مبحوح
إلياس.
كررت الاسم ببطء كما لو تلمسه لأول مرة
إلياس
كان اسما لا يحمل لقبا ولا شرفا ولا نسبا.
لكن فيه حضورا غريبا شيئا لم
تفهمه بعد لكنه استقر في قلبها كنسمة باردة في يوم قائظ.
مع مرور الأيام تغير كل شيء.
أصبحت تستيقظ ولا تبحث عن ألمها القديم.
أصبحت تحرص أن ترى ماذا سيفعل إلياس اليوم.
وأصبحت خطواته وصوته الخافت وحتى صمته جزءا من عالمها الجديد.
وفي مرة اصطحبها إلى الحديقة المهملة خلف الجناح الداخليحديقة لم يزرها أحد منذ سنوات.
وهناك بين الورود التي مزقها الشتاء جلس على ركبتيه يشير إلى أزهار خزامى شبه ميتة.
قال وهو يلامس الأرض برفق
هذه الزهور تنمو أفضل عندما تقلم بقسوة عندما يقلب الجذر وتنقب التربة. تبدو كأنها تتعذب لكنها في الحقيقة تولد من جديد. أقوى.
نظرت إليه بدهشة.
كان كلامه يدخل قلبها ببطء كنسيم في غرفة خانقة.
ولأول مرة شعرت أن العالم لم ينقلب
عليها كما ظنت بل ربما كان يعيد تشكيلها من جديد.

تم نسخ الرابط