وصل الملياردير دون إعلان مُسبق، ورأى الخادمة مع أطفاله الثلاثة وما رآه أوقفه متجمّدًا عند العتبة.

لمحة نيوز

كان الصمت الذي يلف القصر عادة أول ما يستقبله إيثان ستيرلنغ عند عودته.
صمت ثقيل باهظ الثمنذلك النوع من السكون الذي لا تصنعه إلا عشرة أفدنة في غرينيتش بولاية كونيتيكت وجدران حجرية يبلغ سمكها ثلاثة أقدام.
تجمد إيثان عند عتبة غرفة الحضانة وقد شد قبضته على مقبض حقيبته الجلدية. كانت ربطة عنقه مرتخية حول عنقه والزر العلوي من قميصه مفتوحا شاهدا على رحلة طيران شاقة امتدت ثماني عشرة ساعة من طوكيو.
عاد قبل موعده بثلاثة أيام. صحيح أن صفقة الاندماج مع شركة كايتو تك أغلقت أسرع من المتوقع لكن ذلك لم يكن السبب الحقيقي لعودته. كان هناك إحساس غامض جذب داخلي يشبه المغناطيس دفعه إلى تجاوز حفل العشاء الاحتفالي وطلب الإقلاع الفوري للطائرة الخاصة.
والآن وهو واقف في مدخل الجناح الغربي أدرك السبب.
على أرض الغرفة الواسعة كانت المربية الجديدة التي لم يلتق بها من قبل جاثية على السجادة المخملية ذات اللون الأزرق الداكن. اسمها سارةيعرف ذلك فقط لأن مساعدته الخاصة أبلغته به. كانت ترتدي ثوبا أسود بسيطا ومئزرا أبيض صغيرا زيا فرضته الوكالة وكان يبدو غريبا وسط الحداثة الباردة التي تميز المكان.
لكن سارة لم تكن ما سلب أنفاسه.
بل كانوا أطفاله الثلاثة.
ليام ونوح ومايسون.
كانوا راكعين إلى جانبها. يبلغون الخامسة من العمر لكن صورة آخر ذكرى لهم في ذهن إيثان كانت صرخات مواليد ثلاثة لم يستطع احتضان

أي منهم يوم وفاة زوجته إيلينا أثناء الولادة.
كان قد وفر لهم الأفضل أفضل الأطباء وأفضل الطعام وأرقى الألعاب وأكثر الموظفين كفاءة
لكنه لم يوفر لهم نفسه.
والآن راقب بألم عميق كيف كانت أيديهم الصغيرة مطوية أمام صدورهم وعيونهم مغلقة وملامحهم تحمل سكينة لم يرها عليهم يوما.
عادة حين يراهم يكونون فوضويين صاخبين أووهذا أكثر ما يوجعهمتوجسين من ذلك الأب الغريب الذي يظهر فقط ليتفقدهم من بعيد.
قالت سارة بصوت خفيض دافئ تلامسه الحنان
شكرا لك على هذا اليوم.
وردد الصبية الكلمات نفسها بأصوات عالية النبرة مشروخة بالبراءة
شكرا لك على هذا اليوم.
وشكرا على الطعام الذي يغذينا والسقف الذي يحمينا.
وشكرا على الطعام كرروا.
شعر إيثان بساقيه تضعفان.
اتكأ قليلا على إطار الباب.
رجل يحرك الأسواق باتصال هاتفي واحد يشعر الآن كأنه دخيل في بيته.
قالت سارة وهي تغير جلستها قليلا
والآن أخبروا الله ما الذي أسعدكم اليوم.
فتح ليام الأكبر بدقيقتين والأشد شغبا عادة عينا واحدة ليتأكد من جدية الموقف ثم أغلقها بسرعة وشد حاجبيه بتركيز طفولي مضحك.
همس
أعجبني اليوم فطائر البانكيك اللي لها وجه مبتسم.
وقال نوح بصوت منخفض
وأنا أعجبني ذلك الحصان الشجاع في القصة.
ثم تردد مايسون الأكثر صمتا
وأنا أعجبني أنه ما حد صرخ اليوم.
اختنق الهواء في صدر إيثان.
لم تكن الكلمات مجرد جملة.
كانت طعنة.
هل هذا ما اعتاده الصغار
هل
كانت مربياتهم السابقات قاسيات
أم أن الصراخ كان يأتي من الفراغ الذي تركه هو من الصمت الذي ملأ مكان الأب الغائب
ابتسمت سارة ومسحت خصلة شعر عن جبين مايسون.
وقالت
هذا شيء جميل تشكر الله عليه يا مايسون. آمين.
آمين! صرخ الثلاثة بحماس ثم انتثروا في ضحكات بريئة.
في تلك اللحظة رفعت سارة رأسها ورأته.
فقد اللون من وجهها.
نهضت بسرعة ورتبت مئزرها واتسعت عيناها دهشة
السيد ستيرلنغ لم نكن نتوقع وصولك قبل الخميس.
تجمد الأولاد في أماكنهم.
تلاشت الضحكات فورا.
ثلاث عيون صغيرةتشبه عينيه تماماحدقت فيه بريبة.
ولاحظ كيف اتخذوا نصف خطوة إلى الخلف مقتربين من ساقي سارة كأنها درعهم.
وكانت تلك الحركة وحدها كافية لتحطيم قلب رجل.
قال إيثان بصوت بدا أجش
انتهت المفاوضات مبكرا. لا تسمحي لي بإزعاجكم.
قالت سارة
كنا ننهي روتين المساء فقط.
ثم وضعت يدا حامية على كتف ليام.
يا أولاد قولوا مساء الخير لأبيكم.
قالوا سويا بجمود يشبه التحية العسكرية
مساء الخير أبي.
نظر إليهم إيثانحقا نظر إليهم للمرة الأولى منذ سنوات.
كانوا يرتدون منامات عليها صواريخ فضائية.
لم يكن يعلم حتى أنهم يحبون الفضاء.
قال
مساء الخير.
لكنه لم يعرف ماذا يضيف.
كان يريد أن يسأل عن البانكيك وعن الفأر الشجاع لكنه لم يعرف كيف.
لقد ضمرت عضلة الأبوة داخله.
فقال فقط
تابعوا.
ثم استدار وغادر وأغلق الباب الثقيل خلفه.
لكنه لم يذهب إلى
مكتبه.
بل ذهب إلى غرفته جلس على طرف السرير ودفن وجهه بين يديه.
في صباح اليوم التالي عمت الفوضى القصر.
إيثان ستيرلنغ لم يغادر إلى مكتبه.
عند السابعة والنصف حين كانت المطبخ يعمل كخط إنتاج صامت لإعداد قهوته السوداء ووجبة الأولاد المتوازنة غذائيا دخل عليهم.
لم يكن مرتديا بدلة.
بل سترة كشمير وبنطال جينز بديا جديدين تماما لأنه نادرا ما يرتدي مثل هذه الملابس.
كانت سارة هناك تحضر البيض المخفوق.
توقفت مدهوشة والمغرفة معلقة في الهواء.
قال
صباح الخير.
ثم جلس عند طاولة المطبخ الصغيرة بدل طاولة الطعام الرسمية.
قالت سارة
صباح الخير سيدي.
ثم أشارت للأولاد بالجلوس
يا أولاد الفوط على الركب.
تسلق الثلاثة مقاعدهم العالية وهم يراقبون والدهم بحذر.
قال إيثان
سآكل ما يأكلونه.
رمشت سارة بدهشة
إنها فطائر ميكي ماوس يا سيدي مع البيض.
قال
ممتاز.
بدأ الإفطار بصمت ثقيل.
لم يكن يسمع إلا رنين الشوك وهمهمة الثلاجة.
راقب إيثان سارةحركتها عذبة منظمة لطيفة.
لم تكن تطعم الصغار فحسب بل كانت تعرفهم.
قصت فطائر مايسون على شكل مثلثاتلأنه لا يأكل غيرها.
وضعت مزيدا من الشراب على طبق ليام لأنه يحب السكر.
وحرصت أن لا يلامس البيض فطائر نوحلأنه يكره اختلاط الطعام.
كانت تعرف خريطة أرواحهم الصغيرة
بينما هو والدهم بالكاد يعرف ما يحبونه.
شعر بغيرة مؤلمة ثم بخزي أعمق.
قال ليفتح الحديث
سمعت أنكم تحبون
الفضاء. من مناماتكم.
قفز الأولاد قليلا من المفاجأة.
نظر ليام إلى سارة فأومأت له بهدوء.
قال ليام
نعم
تم نسخ الرابط