بكى طفل المليونير عندما رأى الخادمة لكن كلماته الأولى حطّمت الجميع.

لمحة نيوز

ليست جيدة بما يكفي. اعتذرت عن ملابسها البسيطة. عن تأخرها بدقيقة واحدة. عن كونها موجودة أصلا.
لكنها لم تكن بحاجة إلى أي اعتذار.
فالوظيفة كانت لها منذ اللحظة التي نطقت فيها ابنتها باسم الأمل.
وبرعت آنا منذ الأيام الأولى.
أعادت آنا تنظيم سير العمل بطريقة لم يكن أحد يتوقعها حتى أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في الشركة يظنون أنهم عرفوا كل خلل وكل ثغرة فيها. كانت خطواتها الأولى متواضعة لكنها مدروسة بدأت بمراقبة حركة الموظفين كيف يتنقلون كيف يتواصلون كيف تتشابك مهامهم كأنها خيوط متقطعة يحتاج كل منها إلى يد خبيرة تعيد نسجها بعناية. شيئا فشيئا بدأت بصمت تصلح ما رآه الآخرون قدرا محتوما من الفوضى.
في غضون أسابيع ظهرت نتائج جهودها كأن أحدا نفخ الحياة من جديد داخل أقسام جافة اعتادت الرتابة. الملفات أصبحت تسلم في وقتها. الاجتماعات لم تعد ساحات للجدال بل منصات للحلول. حتى قسم الموارد البشرية لاحظ تغييرا في خفض الحدوث المتكرر للنزاعات الداخلية. كل ذلك بفعل امرأة كانت قبل أشهر تنظف أرضيات المطاعم ليلا ولا أحد يعرف
أنها تمتلك عقلا يستطيع قيادة أقسام كاملة لو منح فرصة واحدة.
قللت الهدر بنسبة لم تتمكن فرق متخصصة من خفضها لسنوات رغم الاجتماعات والخطط والميزانيات المفتوحة. كانت آنا ترى التفاصيل التي لا يراها الآخرون ترى الأوراق غير الضرورية الوقت الضائع بين المهمات المشاحنات الصغيرة التي تهدر طاقة الموظفين دون أن يلاحظوا. كانت تملك قدرة نادرة على رؤية الصورة الكبيرة دون أن تفقد انتباهها لأصغر الأجزاء.
وببطء عميق التأثير بنت جسورا من الثقة بين أعضاء أقسام لم يتفقوا يوما أقسام كانت العلاقة بينها أقرب إلى معركة صامتة كل طرف فيها يشك بالآخر. لكن آنا بعفويتها وبابتسامتها التي لا تشبه أي ابتسامة داخل ناطحة السحاب تلك استطاعت أن تلين النفوس وتكسر الجدران التي شيدوها حول أنفسهم.
ومع مرور الوقت أدرك الجميع أن لطفها وحده كان كافيا لتلطيف الزوايا الحادة في الشركة تلك الزوايا التي اعتاد الموظفون الاصطدام بها كل يوم دون أن ينتبهوا أنها كانت السبب في تعبهم وإرهاقهم وإحساسهم بأنهم مجرد تروس في آلة عملاقة لا ترحم.
كانوا يظنون أن
النجاح يحتاج قسوة فجاءت آنا لتعلمهم أنه أحيانا يحتاج فقط قلبا يعرف كيف يصغي.
ولم يكن تأثيرها وحدها هو الذي أثار الدهشة بل أثر ابنتها لوسيا التي أصبحت أسطورة صامتة تتناقلها المكاتب كقصة تروى كلما فقد أحدهم إيمانه بجدوى الفرص.
فقد أثبتت تلك الطفلة دون أن تدرك شيئا كبيرا وعميقا
أن الإمكانات لا تظهر دائما في السيرة الذاتية.
وأن الإنسان قد يملك قدرات لا تظهر على الورق بل في التجارب التي عاشها والمسؤوليات التي حملتها كتفاه دون أن يشتكي.
وأن الصلابة لا تحتاج بذلة رسمية ولا خطابا مصقولا.
بل قد تأتي على هيئة أم مرهقة أو طفلة في الثامنة ترتدي فستانا أصفر وتحمل في عينيها أكثر مما يتحمله الكبار.
وأن شركة عملاقة مثل غلوبال تيك التي بنيت على الأرقام والعقود والمواعيد الصارمة يمكنها أن تتعلم الإنسانية من طفلة وقفت وحدها أمام بواباتها.
مر عام كامل.
عام تغيرت فيه الشركة كما لو تغير قلبها نفسه.
عام أصبحت فيه آنا جزءا لا يمكن الاستغناء عنه من حركة الشركة الداخلية رمزا للجد وللطف وللقدرة الخارقة التي يملكها الإنسان حين
يمنح فرصة ولو كانت مجرد فرصة واحدة.
عام أصبحت فيه الموظفة الجديدة التي كانت تخشى حتى النطق باسمها في الاجتماعات مستشارة يعتمد عليها كبار المديرين في القرارات المعقدة.
وفي مكتبها الجديد الذي أعد باحترام يليق بها بجانب شهاداتها التي حصلت عليها فيما بعد وملفاتها المنظمة بعناية تشبه الدقة التي كانت ترتب بها حياتها بين العمل والبيت علقت ورقة واحدة داخل إطار خشبي بسيط.
ورقة مطوية قليلا عند الحواف.
ورقة لا تحمل أرقاما أو توقيعات أو شعارات.
ورقة واحدة فقط
السيرة الذاتية التي سلمتها طفلة صغيرة ذات يوم بكل شجاعة العالم.
ذلك المستند أصبح رمزا لكل موظف جديد ولكل شخص فقد الثقة بنفسه ولكل من يعتقد أن الفرص الكبرى لا تأتي إلا لأصحاب النفوذ. كانوا يمرون أمام الإطار ويتوقفون لحظة كأنهم يستمدون منه شيئا لا يقال بالكلمات.
وحتى اليوم ما زال المدراء يتهامسون عن ذلك الصباح.
عن طفلة لم تكن تعرف شيئا عن القوة والضغط والأرقام لكنها دخلت ناطحة سحاب بجرأة هادئة وغيرت مصير أمها ومصير شركة كاملة.
لأن الشجاعة تأتي بكل الأحجام
وأن
أعظمها أحيانا
يرتدي فستانا أصفر.

تم نسخ الرابط