المربية السوداء التي علّمت الملياردير كيف يحب من جديد
المحتويات
وتناولوا طعامكم.
أطاعوا دون جدال.
سكب بنجامين لنفسه قهوة وجلس في الطرف الآخر من الطاولة يراقب. بدأ الأولاد يتحدثون إلى جين أثناء تناولهم الطعام. لم تكن أحاديث كاملة بعد فما زالوا غير مستعدين لذلك لكنها جمل صغيرة. أخبرها ميك عن حلم رآه. سألها نيك إن كانت تحب الديناصورات. أما ريك فجلس قربها فقط وكأن قربه منها وحده يكفيه.
وجين كانت تنصت. تنصت فعلا كأن كل كلمة يقولونها أهم شيء في العالم.
حينها أدرك بنجامين شيئا جعل حلقه يضيق من جديد. لم تكن فقط جيدة معهم. لقد أحبتهم. وهم أحبوها أيضا.
وللمرة الأولى منذ ثمانية أشهر شعر بنجامين بشيء ظنه مات داخله الأمل.
بدأ يعود إلى المنزل مبكرا. يقول لنفسه إن العمل يخف لكن الحقيقة كانت أصعب اعترافا. كان يريد أن يراهم. يريد أن يسمع ضحكاتهم. يريد أن يرى كيف تبث جين الحياة في البيت الذي كان ميتا منذ رحيل أماندا.
معظم الأيام كان يجدهم في غرفة اللعب أو في الحديقة. يرى جين جالسة على العشب يحيط بها الأولاد تقرأ لهم أو تساعدهم على البناء بالمكعبات. لم تكن تتصرف كما لو أنها تؤدي عرضا أمامه. لم تكن تبدل سلوكها حين تراه. كانت فقط تحبهم بهدوء وبطبيعية كأن هذا أسهل شيء في الدنيا.
كان بنجامين يراقبهم من النافذة في الطابق العلوي حريصا ألا يقاطعهم.
البيت لا يزال يحمل أماندا في كل زاوية. لوحاتها الملونة معلقة على الجدران رسمتها في الليالي التي لم تستطع فيها النوم. فنجان قهوتها لا يزال في الخزانة غير مغسول في الموضع الذي تركته فيه في ذلك الصباح الأخير. خطها لا يزال على ورقة المشتريات الملصقة على الثلاجة حليب بيض توت أزرق لا تنس دواء ميك.
لم يستطع أن يزيلها.
في الليل بعد أن تضع جين الأولاد في أسرتهم كان بنجامين يتمشى في أرجاء البيت كأنه يبحث عن شيء فقده ولن يجده. أحيانا يقف أمام باب غرفة النوم الرئيسية لكنه لا يدخل.
قرابة منتصف الليل وبينما كان يتجول كعادته بلا هدف لمح وهج مصباح القراءة في المكتبة. دخل بهدوء. كانت جين جالسة في زاوية الأريكة الجلدية حافية القدمين كتاب مفتوح في حضنها. بدا عليها السلام كأن ثقل البيت لا يضغط فوقها كما يفعل معه.
تنحنح بلطف. رفعت جين رأسها. لم ترتعب اكتفت بأن تنظر إليه بهدوء.
قال لم تستطيعي النوم أيضا
هز رأسه نفيا وتقدم خطوة إلى الداخل. للحظة لم يعرف ما يفعل ثم جلس على الأريكة المقابلة لا قريبا جدا ولا بعيدا.
الصمت بينهما كان مختلفا عن الصمت في بقية البيت. لم يكن ثقيلا خانقا كان صمتا موجودا فحسب.
سألها ما الذي تقرئينه
رفعت الكتاب قليلا محبوبة لتوني موريسون.
قال قراءة ثقيلة لوقت النوم.
قالت ببساطة الأفكار الثقيلة تحتاج إلى كتب ثقيلة.
كاد يبتسم. تقريبا.
جلسا في هدوء لدقائق. لم يكن يعرف ماذا يقول. لم يعرف كيف يشكرها على ما فعلته مع أبنائه. لم يعرف كيف يطلب منها أن تواصل ما تفعله دون أن يبدو يائسا. أخيرا تكلم
لقد ضحكوا البارحة.
لم يستطع أن يكمل.
قالت جين بهدوء منذ وفاة أماندا أليس كذلك
كان سماع اسم زوجته مثل ضربة قوية في صدره. معظم الناس تجنبوا ذكر اسمها وكأن نطقها سيكسره. لكن جين لم تشح بنظرها.
قالت إنهم يتحدثون عنها. الأولاد. يحكون لي عنها.
انقبض حلقه.
ماذا يقولون
قالت يقولون إن رائحتها تشبه رائحة الزهور. إنها كانت تغني بنشاز في السيارة. وإنها كانت تسمح لهم بأكل الحلوى أولا يوم الثلاثاء.
لسعت الدموع عينيه. كانت تلك تفاصيل صغيرة نسيها أشياء كانت تجعله يضحك ظن أنها ضاعت معه حتى أعادتها جين
همس شكرا لك لأنك تذكرينني بها من خلالهم.
أغلقت جين الكتاب ونهضت.
تصبح على خير يا بنجامين.
وغادرت بهدوء تاركة إياه يجلس وحده يشعر أنه أقل فراغا مما كان عليه منذ أشهر. ربما لم تكن تساعد أولاده على الشفاء فحسب ربما كانت تساعده هو أيضا.
مرت ثلاثة أسابيع. وجد بنجامين نفسه يبحث عن أي سبب ليبقى في البيت. ينهي مكالماته مبكرا يتخطى عشاءات المستثمرين يقدم أعذارا لمساعده عن سبب عدم قدرته على السهر في المكتب. الحقيقة كانت بسيطة بيته لم يعد يبدو قبرا بعد الآن.
في إحدى الليالي عاد إلى البيت حوالي الثامنة. كان الأولاد قد ناموا. سمع أزيز غسالة الصحون في المطبخ. كل شيء كان يبدو عاديا هادئا. ثم سمع ذلك الصوت. بكاء. ناعم مكسور. من النوع الذي يصدره الإنسان عندما يتأكد أن لا أحد يسمعه.
اشتد شيء في صدره. اتجه بهدوء نحو المطبخ وتوقف عند الباب. كانت جين جالسة وحدها إلى الطاولة ظهرها نحوه كتفاها ترتجفان. في يديها كانت تمسك شيئا صغيرا ميدالية فضية مفتوحة تعكس الضوء. لم تسمعه كانت غارقة في ألمها. بقي واقفا لا يتحرك ولا يتكلم يراقب المرأة التي كانت قوية وثابتة أمام أبنائه وهي تنهار الآن وحدها في مطبخه.
أخيرا شعرت بوجوده. التفتت برأسها. عندما رأته واقفا اتسعت عيناها. مسحت وجهها سريعا تحاول أن تستعيد تماسكها.
أنا آسفة قالت وصوتها متحشرج. لم أقصد سأغادر الآن
قال بهدوء من في الميدالية
تجمدت. شدت أصابعها على السلسلة الفضية. لثوان طويلة لم تجب. ثم بصوت منخفض لدرجة أنه بالكاد يسمع
اسمها كان هوب.
تقدم بنجامين وجلس قبالتها.
تكسر وجه جين وانهمرت دموعها من جديد.
قالت ماتت قبل عامين. سرطان الدم. كان عمرها ثلاث سنوات.
علقت الكلمات في الهواء كالدخان.
شعر بنجامين بانكسار داخلي.
تابعت كانت ابنتي ارتعش صوتها. ابنتي الصغيرة. حاربنا عاما كاملا مستشفيات
ارتجفت يداها وهي تفتح الميدالية أكثر لتريه الصورة الصغيرة بالداخل. طفلة ذات أسنان متباعدة قليلا وعينين لامعتين تمسك زهرة هندباء.
قالت زوجي لامني. قال إن علي أن ألاحظ الأعراض مبكرا. أن أضغط على الأطباء أكثر. أن أفعل شيئا أي شيء لأنقذها. لم يحتمل زواجنا ذلك. أخذ في الطلاق كل شيء يخصها صورها ألعابها ملابسها لم يترك لي سوى هذه الميدالية.
ضاق حلق بنجامين أكثر. لم يستطع الكلام.
قالت جين وصوتها ينكسر تماما أصبحت مربية لأنني لا أعرف كيف أعيش في عالم بلا ضحكات أطفال. هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الصمت محتملا. عندما سمعت عن أبنائك وعن ما فقدوه ظننت أنه ربما ربما أستطيع مساعدتهم بطريقة لم أستطع أن أساعد بها ابنتي.
رفعت عينيها إليه والدموع تنهمر على وجهها.
أنا آسفة. أعلم أن هذا غير مهني. أعلم أنه لا ينبغي لي أن
قاطعها بنجامين وصوته خشن
أنت لا تساعدينهم على الشفاء فقط أنت تشفين نفسك أيضا.
هزت رأسها.
لا أظن أنني سأشفى يوما.
قال ربما لا لكن حبك لأبنائي يبقيك على قيد الحياة. تماما كما أنك تبقينهم هم على قيد الحياة.
مد يده ووضعها فوق يدها. كانت أصابعها باردة وترتجف.
جلسا على هذه الحال طويلا. شخصان يغرقان في الحزن يتمسكان ببعضهما في الظلام.
همست هل يصبح الأمر أسهل هذا الاشتياق
فكر في أماندا. في الفراغ الذي تركته. في كل صباح لا يزال يمد يده إلى جانب السرير فلا يجدها.
قال بصدق لا. لكنه يتحول إلى شيء آخر يصبح جزءا منك. حضورا لا غيابا.
أومأت برأسها بينما لا تزال دموعها تتساقط. أغلقت الميدالية ببطء وضغطتها على قلبها.
همست شكرا لأنك لم تتجاهلني.
قال شكرا لأنك حضرت.
وفي تلك اللحظة تغير شيء ما بينهما. لم يعودا رب عمل وموظفة فحسب بل روحين مكسورتين وجد كل منهما الآخر بين الأنقاض.
حل يوم الأم كظل يحاول بنجامين الهروب منه.
متابعة القراءة