الصبيّ المشرد يصرخ: «لا تأكل هذا!»… والملياردير يتجمّد مكانه حين يعرف السبب!

لمحة نيوز

كان المقهى الخارجي يلمع تحت شمس الظهيرة كأن الضوء اختار هذا المكان ليعكس عليه كل هدوء الحياة وترفها. الكؤوس الكريستالية تصدر أزيزا خفيفا كلما مر النسيم والمفارش البيضاء تنعكس عليها خطوط الظلال التي ترسمها الأشجار المحيطة وكأن اللوحة برمتها جزء من إعلان فاخر لا من واقع مدينة مزدحمة. هناك في الركن القصي من الساحة جلس بنجامين هيل الملياردير الذي يعرفه الجميع والرجل الذي يخشاه الكثيرون ويحتاجه أكثرهم لكنه في هذه اللحظة بدا مجرد رجل أنهكته الاجتماعات المتتالية واستنزفته الصفقات التي لا تنام.
مد جسده قليلا في الكرسي مسندا ظهره كما لو كان يحاول أن يسمح لعموده الفقري أن يتذكر ما هو الشعور الطبيعي للراحة. هاتفه بين يديه يمرر إصبعه ببطء بين الرسائل التي لم تعد تعنيه بشيء في هذا الظهيرة. كان يحتاج إلى لحظة صمت. لحظة ينقطع فيها سيل الضجيج المالي والإداري الذي يطارده حتى في نومه.
اقترب النادل بخطوات محسوبة كأنه يعرف أهمية هذه اللحظة للسيد هيل فوضع أمامه طبق السلمون المشوي بصلصة الليمون بلمسة خفيفة لا تحدث صوتا ورجع خطوة إلى الخلف باحترام.
رفع بنجامين عينيه نحو الطبق ورائحة الليمون المخلوط بالأعشاب وصلت إليه قبل أن تمتد يده بالسكين والفرشاة. كان يهم بأن يغرس الشوكة في أول قطعة حين اخترق المشهد صوت لم يكن يشبه أي صوت آخر.
صرخة صغيرة لكن مشحونة بخوف عار كأن طفلا يرى العالم ينهار أمامه
لا تأكل هذا!
توقف الزمن قبل أن تتوقف يد بنجامين.
لم يحرك يده لم يرفع شوكته ولم يرمش حتى فقط بقي معلقا في اللحظة وعيناه ترتفعان ببطء نحو مصدر ذلك الصوت الغريب.
التفتت رؤوس الزبائن كلها في اتجاه واحد وكأن الضجيج الذي

خفت فجأة ترك صدى الصرخة يطوف فوق الطاولات.
هناك عند حافة السياج الأخضر الذي يحيط بالمقهى من جهة الشارع وقف طفل صغير لا يزيد عمره عن ثماني سنوات. ثيابه ملتصقة ببعضها من كثرة الاتساخ وحذاؤه تقريبا بلا رباطين وشعره يشبه كتلة من الغبار والرياح. كان يحتضن دبا قماشيا ممزقا حركته ليست حركة لعب بل حركة نجاةذراعاه حول الدمية كأنها آخر ما بقي له من عالم قديم.
لكن أكثر ما شد انتباه بنجامين لم يكن وضع الطفل بل عينيه.
عينان واسعتان ثابتتان عليه هو تحديدا ممتلئتان برعب صادق لا يمكن أن تخطئه غريزة إنسان بالغ مهما كان ذلك الإنسان معتادا على الخداع.
ركض حراس الأمن نحو الطفل واحد منهم أمسك بذراعه بطريقة حاول بنجامين لاحقا تذكرها بدقة هل كانت مؤذية هل كانت قاسية هو لا يعرف. كل ما كان يراه هو الفزع على وجه الطفل.
قال أحد الحراس سيدي إنه طفل مشرد غالبا يريد مالا.
لكن الطفل صرخ مرة أخرى معاندا القبضة التي أمسكت به
أرجوك! لا تأكله! الطبق فيه شيء خطير!
لم يكن بنجامين يصدق ما يسمعه لكن شيئا في نبرة الطفل لم يسمح له بأن يهمله. رفع يده للحارس اتركوه.
ثم وجه كلامه للطفل بصوت ثابت لكنه خال من أي استهزاء
ماذا قلت
كان الطفل يرتجف من الرأس حتى القدم لكنه كان ثابت النظرة بشكل يستحيل على طفل اعتاد الكذب أن يرتديه. قال بصوت مبحوح متقطع بين الخوف والصدق
جاءت امرأة حين كان النادل في الداخل بدلت طبقك ورأيتها تصب شيئا من زجاجة صغيرة في الطبق. لم يلاحظ أحد لكنني رأيتها.
شعر بنجامين بانقباض في صدره يشبه حركة انطفاء المصابيح فجأة.
امرأة سأل كأنه يختبر نفسه قبل الصبي.
أومأ الطفل سريعا كانت تلبس نظارة سوداء وأظافرها طويلة
وحمراء. قالت للنادل إنها مساعدتك.
لم يكن في الكون كله جملة قادرة على صفع بنجامين كما فعلت هذه.
مساعدته تقضي أسبوعا كاملا في هاواي.
رمش بنجامين مرة واحدة ببطء ثم وضع الشوكة جانبا كما لو كان يمسك سلاحا لا يعرف كيف وصل إلى يده.
خذوا الطبق إلى المختبر فورا. قالها للنادل بصوت ساكن لا يحمل إلا أمرا مباشرا.
وللمرة الأولى منذ أن بدأ العمل في هذا المكان بدا النادل وكأنه فقد لونه تماما. أخذ الطبق بسرعة وخطواته تتعثر وهو يبتعد.
انحنى بنجامين قليلا للأمام يده ترتجف ارتجافا خفيفا يكاد لا يرى ثم أعطى الطفل نظرة طويلة نظرة رجل ثري لكنه في لحظتها لم يكن يرى في الطفل سوى شاهد نجاة.
مرت الساعتان التاليتان كأنهما أسبوع كامل.
جلس بنجامين في غرفة صغيرة داخل المختبر الذي يتعامل معه دائما يحدق في ساعة الحائط التي بدا عقربها الأبطأ في العالم. في تلك الساعتين كان يشعر أنه يسمع صوت الطفل يعاد في رأسه
لا تأكله الطبق خطير.
لم يسمع ضوضاء المدينة من حوله ولا خطوات الموظفين ولا حتى صوت هاتفه الذي رن أكثر من خمس عشرة مرة. كان كل شيء خلف زجاج بعيدا فيما نفسه وحدها كانت في الغرفة.
حين دخل الطبيب أخيرا كان تعبير وجهه هو الإجابة قبل الكلام.
قال بنبرة مصدومة السيد هيل المادة التي في الطبق كانت مادة سامة وخطيرة نادرة وتسبب انهيارا سريعا في الجسد وغالبا لا تكتشف بسهولة.
لم يتكلم بنجامين. لم يتحرك. لكن الهواء في صدره خرج دفعة واحدة كما لو أنه احتجز لوقت طويل.
عرض الطبيب ملف التقرير لكن بنجامين لم ينظر إليه. اكتفى برفع عينيه ببطء وسؤال واحد خرج منه كأنه طعنة صدق
هل كانت ستؤدي إلى نهاية حتمية
أجاب الطبيب بثقل بدون تنبيه
أحد أو تدخل سريع نعم خلال دقائق قليلة جدا.
تحركت عضلات فكه لأول مرة منذ بداية اليوم. ومن خلف زجاج المختبر كانت الصدمة تعيد ترتيب كل معاني العالم بداخله.
في تلك اللحظة لم يعرف إن كان يخاف أكثر من فكرة أن أحدا أراد إزاحته من طريقه إلى الأبد أم من حقيقة أنه كان على وشك أن يرحل من الدنيا ولم يكن ليتذكر آخر كلمة قالها أو لمن قالها.
عاد الأمن إليه لاحقا يبلغه بكشف الكاميرات. اللقطات كانت صامتة لكنها كانت أكثر صراخا من أي صوت. امرأة تدخل من الباب الجانبي نظارة سوداء أظافر حمراء تمشي بخطوات محسوبة نحو المطبخ. تضع شيئا في الطبق ثم تختفي في الزقاق.
كانت التفاصيل كلها دقيقة باستثناء شيء واحد.
حين تم تقريب الصورة وتعزيزها لم تعد المرأة مجهولة.
كانت زوجته.
فيكتوريا هيل.
اسم وصورة وتاريخ وعشر سنوات كاملة من حياة رجل انهارت في ثانية واحدة.
تجمدت نظرة بنجامين على الشاشة كأنه يرى حلما قبيحا يرفض أن ينتهي بالاستيقاظ.
لم يشعر بصوته وهو يقول أعيدوا اللقطة.
أعادوها.
وجهوها أكثر.
وجهوها.
مرة أخرى.
وفي كل مرة كانت الحقيقة تزداد وضوحا وبشاعة.
كانت هي.
المرأة التي شاركته فراشه أسراره انتصاراته هزائمه الكبرى هي نفسها بعينيها وملامحها التي وضعت تلك المادة السامة في طبقه.
وقف بنجامين ببطء وكأن جسده أصبح أثقل بعشرين عاما دفعة واحدة.
لم يقل شيئا.
لم يصدر عنه أي انفعال.
لكنه كان يعيش أكبر انهيار داخلي حدث له في حياته.
كان الليل قد بدأ يهبط على المدينة حين عاد بنجامين إلى قصره. الأبواب الزجاجية الضخمة انعكست عليها أضواء الأعمدة الذهبية الممتدة على طول الممر ولكن رغم كل ذلك اللمعان كان داخله مظلما بطريقة لا يمكن
للضوء أن يعالجها.
كان يشعر أن كل شيء حوله معاد ترتيبه كأن الحياة
تم نسخ الرابط