عامل البناء الذي صنع دكتورًا… وليس بيتًا! الحقيقة التي أبكت أستاذ الجامعة أمام الجميع

لمحة نيوز

حين انتهت المناقشة تقدم الأستاذ سانتوس لمصافحتي ومصافحة أسرتي. وحين وصل إلى تاتاي بن توقف فجأة حدق فيه مطولا وتغير تعبير وجهه بطريقة لم أفهمها في اللحظة الأولى.
ولدت في أسرة غير مكتملة. فما إن تعلمت المشي حتى انفصل والداي. أخذتني أمي لورنا إلى نويفا إيسيخا تلك القرية الفقيرة التي لا ترى فيها سوى حقول الأرز والشمس والريح والثرثرة. لم أعد أذكر ملامح والدي البيولوجي بوضوح لكني أعلم أن طفولتي الأولى كانت ناقصةماديا وعاطفيا.
عندما بلغ عمري أربع سنوات تزوجت أمي مرة أخرى. كان الرجل عامل بناء. دخل حياتها بلا بيت ولا مال فقط ظهر نحيل وبشرة لوحتها الشمس ويدان خشنهما الإسمنت.
في البداية لم أحبه. كان غريبا يخرج فجرا ويعود ليلا وتفوح منه دائما رائحة العرق وغبار الورش. لكنه كان أول من أصلح دراجتي القديمة وأول من رقع نعالي الممزق بصمت. كنت أثير الفوضى فلا يصرخ ولا يعاتب بل ينحني ليلملم آثارها. وحين تعرضت للتنمر في المدرسة لم يوبخني كما فعلت

أمي بل جاء بدراجته القديمة ليعيدني إلى البيت وقال في الطريق جملة واحدة
لن أجبرك على مناداتي بالأب لكن تاتاي سيكون خلفك دائما إن احتجته.
لم أرد. لكني منذ ذلك اليوم صرت أناديه تاتاي.
كبرت وكبرت معي صورة تاتاي في ذهني دراجة صدئة زي مغطى بالغبار وليال يعود فيها متأخرا بعينين متعبتين ويدين يكسوهما الجير. مهما كانت الساعة لا ينسى أن يسأل
كيف كان يومك في المدرسة
لم يكن متعلما لا يشرح المعادلات الصعبة ولا النصوص المعقدة لكنه كان يكرر دائما
ربما لن تكون الأول في صفك لكن عليك أن تدرس جيدا. الناس في كل مكان سيحترمون معرفتك.
كانت أمي فلاحة وتاتاي عامل بناء. نعيش بدخل محدود ورغم تفوقي الدراسي كنت أدرك واقعنا فلا أجرؤ على أحلام كبيرة. وحين نجحت في اختبار القبول لجامعة في مانيلا بكت أمي أما تاتاي فجلس على الشرفة يدخن سيجارة رخيصة. وفي اليوم التالي باع دراجته النارية الوحيدة وجمع ما ادخرته جدتي ليرسلني إلى الجامعة.
يوم أخذني إلى المدينة ارتدى
قبعة بيسبول قديمة وقميصا متجعدا وكان ظهره يقطر عرقا ومع ذلك حمل صندوقا من هدايا القرية بضعة كيلوغرامات من الأرز جرة سمك مجفف وأكياسا من الفول السوداني المحمص. قبل مغادرته السكن الجامعي قال لي
ابذل جهدك يا بني وادرس جيدا.
لم أبك. لكن حين فتحت وجبة الغداء التي أعدتها أمي ولفتها بأوراق الموز وجدت ورقة صغيرة مطوية أربع مرات كتب عليها بخط مرتجف
تاتاي لا يفهم ما تدرسه لكن أيا يكن ما ستدرسه تاتاي سيعمل من أجله. لا تقلق.
أنهيت أربع سنوات في الجامعة ثم تابعت الدراسات العليا. ظل تاتاي يعمل. ازدادت يداه خشونة وازداد ظهره انحناء. وعندما كنت أعود إلى المنزل أراه جالسا عند قاعدة السقالة يلهث من التعب بعد يوم كامل من رفع الأخشاب والأكياس. كنت أرجوه أن يرتاح فيلوح بيده قائلا
تاتاي لا يزال قادرا. وحين أتعب أفكر بأنني أربي دكتورا فأشعر بالفخر.
ابتسمت دون أن أجرؤ على إخباره أن الدكتوراه تحتاج جهدا أكبر. لكنه كان السبب الوحيد الذي يجعلني لا أستسلم
أبدا.
في يوم مناقشة رسالة الدكتوراه في جامعة الفلبين توسلته طويلا ليحضر. استعار بدلة من ابن عمه وانتعل حذاء ضيقا بدرجة واشترى قبعة جديدة من السوق الشعبي. جلس في الصف الخلفي مستقيما قدر ما يستطيع وعيناه معلقتان بي طوال الوقت.
بعد انتهاء المناقشة صافح الأستاذ سانتوس أفراد عائلتي. وحين وصل إلى تاتاي توقف وابتسم فجأة
أأنت مانغ بن عندما كنت طفلا كان منزلنا قرب موقع بناء عملت فيه في كيزون سيتي. أتذكر يوما حملت فيه عاملا مصابا من أعلى السقالة رغم أنك كنت مصابا أنت أيضا.
وقبل أن يتمكن تاتاي من الرد تابع الأستاذ وقد بدا عليه التأثر الشديد
لم أتوقع أن أراك هنا اليوم والدا لدكتور جديد. إنه لشرف كبير.
التفت نحو تاتاي كان يبتسم ابتسامة هادئة لكن عينيه كانتا حمراوين. في تلك اللحظة أدركت حقيقة واحدة طوال خمسة وعشرين عاما لم يطلب مني شيئا واليوم فقط حصد تقديرا لم يسع إليه يوما بل زرعه بصمت في قلبي منذ طفولتي.
واليوم بعد كل تلك السنوات التي
مرت بين أكواخ القش في
تم نسخ الرابط