اخفِ هذا الطفل… إنّه الملك القادم قال الرجل الغامض وهو يضع الرضيع بين ذراعي المرأة الفقيرة
كان الليل يهبط على سهول ويسيكس بثقل خانق ذلك النوع من السكون الذي يخنق حتى الصراصير ويمنعها من الغناء داخل كوخ صغير متآكل على حافة الغابة أنهت أماليا تغطية آخر جمرات النار على أمل أن تبقى دافئة حتى بزوغ الفجر كان أطفالها ينامون تحت بطانية بالية متكورين في الزاوية مثل حيوانات صغيرة تبحث عن الدفء وفي الخارج حملت الرياح رائحة المطر القادم بينما اندمج خرير النهر البعيد مع نبض قلبها المضطرب
كانت تستسلم لسكينة الليل حين دوى طرق واحد على بابها صوت حاد مفاجئ وخارج عن المألوف
تجمدت في مكانها لم يكن أحد يزور كوخا كهذا في مثل هذه الساعة التقطت الشمعة من الرف ارتجف لهيبها كأنه يشعر بخوفها وتقدمت نحو الباب ببطء جاء الطرق مرة أخرى لكن بنبرة أضعف أشبه برجاء مكبوت
من هناك همست بصوت مرتعش
لم يجبها أحد لم يكن هناك سوى صفير الريح لكن شيئا غريزيا دفعها إلى الاقتراب فتحت الباب قليلا فانساب الضباب إلى الداخل كأنفاس باردة وفي وسطه وقف
بالله عليك أخفيه قال بصوت متحشرج
تراجعت أماليا خطوة أخفي من من أنت
حرك العباءة قليلا فظهر طفل صغير ملفوف بقماش مطرز بخيوط ذهبية أرقى مما قد تلمسه يد فلاح
لا وقت للشرح قال بعجلة اخفيه جيدا هذا الطفل سيكون الملك القادم
توقف الزمن اشتد الضباب كأنه يخفي العالم كله وجدت أماليا نفسها تفتح الباب أكثر من دون وعي دخل الرجل وتناثرت قطرات المطر من عباءته على الأرض الترابية أطلق الطفل أنينا خافتا صغيرا جدا ليحمل قدرا هائلا كهذا
مهلا ما الذي تقوله أنا لا أستطيع
بل تستطيعين قاطعها لقد فتشوا القرية وسيصلون إلى هنا قريبا إن سألك أحد فقولي إنك لم تري شيئا لا تذكري حرفا واحدا
أومأت رغم أنها لم تفهم شيئا
وضع الرجل الطفل على الطاولة وأعاد تغطيته لمع التطريز الذهبي حتى عبر غبار الطريق
من الذي يبحث عنه سألت
أولئك الذين يريدون إنجلترا قبل أن يشرق الصباح
بكى الطفل مرة أخرى وقبل أن تفكر حملته أماليا أحاطت به ذراعاها كأنها تعرفه منذ زمن كان جسده دافئا وقلبه يخفق في صدرها كطائر مذعور
ما اسمه
تردد الرجل قليلا إدوارد لكن إياك أن تنطقي به أمام أحد
رفعت بصرها إليه لكنه كان يتجه نحو الباب
انتظر! من أنت
توقف لحظة واحدة كأنها آخر لحظة يملكها رجل أخطأ مرة ولن يخطئ ثانية
ثم ابتلعه الضباب
تسلل الفجر من خلال شقوق السقف حين حاولت أماليا أن تعيش يومها كأن شيئا لم يحدث أطعمت أطفالها غلت الماء وأخفت الطفل داخل سلة مغطاة بالخرق والحطب وحين كاد بكاؤه يفضحهم هزته وغنت له تهويدة قديمة
اهدأ يا صغيري لا يسمعونك
لكن صوت حوافر الخيل شق الصباح كالسهم نظرت عبر نافذة ضيقة فرأت أربعة جنود يمرون بين أكواخ القرية ودروعهم تلمع كالثلج تحت الشمس خلفهم كان رجل برداء أحمر يفحص البيوت واحدا تلو الآخر
طرقوا باب الجارة
أطفالي لا تنطقوا بكلمة
ثلاث ضربات عنيفة هزت بابها
بأمر من التاج افتحي!
تنفست بعمق وفتحت الباب حدق الرجل ذو الرداء الأحمر إليها بعينين حادتين
نبحث عن عابر طريق فارس بثياب سوداء هل مر أحد من هنا
لا يا سيدي لا يأتي أحد إلى هذا المكان
دفع الرجل الباب ودخل وتبعه الجنود رفع أحدهم البطانية عن أطفالها فالتصقوا ببعضهم رعبا
هؤلاء أطفالي فقط توماس وهيلين الصغيرة
فحص الرجل قطعة خبز على الطاولة طعام الفقراء لا يمكن إخفاء شيء ثمين هنا
وانطلق صوت صغير من جهة الموقد بكاء مكتوم
جف دم أماليا
ما هذا صاح أحد الجنود
ابن أختي! قالت بسرعة أعتني به لأن أمه مريضة
دعيني أراه
إن أيقظته سيصرخ حتى المساء! قالت برجاء
تبادل الجنود نظرات بينهم رفع الرجل ذو الرداء الأحمر حاجبه يختبرها ثم أشار لهم بالخروج
إن رأيت الرجل ذا العباءة السوداء فأبلغينا
أومأت حتى ابتعدوا وحين