طلبوا رقم البطاقة… فلقّنتهم أغلى درس
الاقتراب من منزلي.
أرسل رسائل كثيرة في البداية
سامحيني.
هنبدأ من جديد.
مستعد أشتغل أي حاجة.
لكنني لم أرد.
وبمرور الوقت اختفى تماما.
تلاشى من حياتي كما تتلاشى الأحلام المزعجة عند أول ضوء للفجر.
بدأت أستعيد نفسي جزءا بعد جزء
عادت راحتي عاد نومي عادت كرامتي التي كدت أفقدها في زحام التنازلات التي لم يرها يوما ولم يقدرها.
عدت لأمارس هواياتي التي هجرتها لأجله
وصرت أستيقظ كل صباح وأنا أشعر بأن الهواء أخف
وكأن روحي كانت محمولة تحت صخرة ضخمة ورفعتها أخيرا.
بدأت أركز على عملي أتقدم أتطور
وأرى نجاحاتي تكبر على مهل نجاحات صنعتها وحدي.
ومع الوقت بدأت أرى وجهي الحقيقي في المرآة
ليس وجه المرأة التي
ولا المرأة التي بكت في الليل خوفا من الوحدة
بل وجه امرأة قوية لم تكتشف قوتها إلا عندما وصلت إلى حافة الانهيار
ثم قررت أن تنهض لا لتحارب أحدا بل لتحب نفسها أكثر.
وفي أحد الأيام وبينما كنت أجلس في المقهى المفضل لدي
أمام نافذة تطل على شارع مزدحم بالحياة
رن هاتفي.
رسالة منه.
آخر محاولة.
آخر خيط واه يحاول الإمساك بي بعد أن أفلت منه منذ زمن.
فتحت الرسالة.
كانت قصيرة جدا
عندك حق أنا اللي ضيعت كل حاجة.
قرأت الجملة مرة واحدة فقط.
كانت كلمات قليلة لكنها حملت وزن سنوات كاملة.
ومع ذلك لم يتحرك شيء داخلي.
لا ألم لا غضب لا حنين.
كأن قلبي تعلم أخيرا أن يترك الأشياء تمضي
وكأن الجرح الذي ظننته لن يلتئم يوما
صار مجرد أثر خافت لا يؤلم لكنه يذكرني بما نجوت منه.
كان داخلي هدوء غريب
هدوء يشبه إغلاق باب ظل مفتوحا لسنوات طويلة
بابا تسلل منه القلق والتعب والخذلان
ثم جاء يوم ووقفت أمامه بثبات
وأغلقته بيدي وأدرت المفتاح دون خوف.
أغلقت الرسالة.
وحذفتها دون تردد دون تراجع.
وكأنني في تلك اللحظة لم أحذف رسالة
بل حذفت آخر ظل من خوفي القديم
آخر بقايا الشك في قيمتي
وآخر خيط كان يربطني بماض لم يعد يشبهني.
رفعت رأسي وتنفست بعمق
شهيق طويل دخل صدري كأنه أول نفس في حياة جديدة.
كانت السماء صافية بشكل لم أنتبه له من قبل
والنسيم دافئا يلامس وجهي كما لو أنه يباركني.
ومرت
وكأن العالم يتحرك من حولي وأنا أخيرا أتحرك معه
لا خلف أحد ولا بحثا عن أحد.
أحسست للمرة الأولى منذ سنوات
أنني أتنفس لنفسي لا لأحد
أنني أعيش لأجلي لا لإرضاء أحد
وأن خطواتي أخيرا تسير في الاتجاه الصحيح
الاتجاه الذي اختارته قلبي لا الخوف.
ابتسمت.
ابتسامة خرجت من العمق
ابتسامة انتصار بلا صراخ
وقوة بلا عنف
وسلام بلا شروط.
لأن الماضي انتهى حقا.
لأن الباب أغلق.
ولأن الطريق أمامي صار واضحا
لا يحتاج سوى خطواتي.
ولأنني بدأت أخيرا.
بدأت أنا.
أنا التي ظنوا أنها ستنحني فنهضت.
أنا التي أرادوا لها البقاء في الخلف فسبقت.
أنا التي ظننت يوما أنها ضعيفة فاكتشفت
وهذه المرة
لن أسمح لأحد أن يطفئ النور الذي أشعلته وحدي.
النهاية