خمسة توائم… وأب مكسور… وفتاة أعادت لهم معنى الأسرة

لمحة نيوز

تكوني أمي
توقفت يدها وارتجفت شفتيها وامتلأت عيناها بدموع حاولت إخفاءها.
أما برناردو الذي كان يقف خلف الباب فقد شعر بجدار داخله ينهار تماما.
لم يكن يتوقع أن يسمع تلك الجملة ولا أن يشعر قلبه يقفز كأنه يسمعها لأول مرة.
كانت تلك اللحظة بداية شيء جديد
شيء لم يدركه بعد لكنه كان أكبر بكثير مما يستطيع السيطرة عليه.
كانت بداية القصة
لا نهايتها.
في اليوم التالي استيقظ البيت على شيء لم يعتده أحد منذ سنوات.
لم يكن الصراخ هو الذي يملأ الممرات ولا وقع الألعاب وهي تقذف في كل اتجاه بل ضحكات متقطعة ثم صمت قصير ثم ضحكات من جديد كأن البيت يجرب صوته الحقيقي لأول مرة.
فتح برناردو عينيه متسائلا إن كان ما يسمعه حلما أم واقعا.
نهض من سريره ببطء وسار نحو غرفة أطفاله الخمسة وهو يشعر بشيء يشبه الخوف خوف من أن يكون هذا الهدوء مجرد هدنة قصيرة قبل العاصفة اليومية التي اعتاد عليها.
وقف عند الباب دون أن يفتحه.
من الفتحة الصغيرة رأى مشهدا لم يعرفه منذ رحيل زوجته.
كانت لورا جالسة على الأرض وقد فرشت بطانية ملونة ورتبت عليها أطباقا صغيرة للفطور.
كان كل طفل يجلس أمام طبقه واحد يضع قطعة خبزه في الجبن آخر يحاول بيديه الصغيرتين تقشير موزة ثالث يروي حكاية عن حلم رآه في الليل بينما يحاول اثنان الجلوس بالقرب منها
قدر ما يستطيعان.
لم يكن هناك صراخ ولا فوضى ولا أي صوت يعلو فوق ضحكاتهم الهادئة.
قالت لورا بصوت ناعم
بالراحة يا أحبائي كلكم ستحصلون على ما تريدون. لن يأخذ أحد طعام أحد ولن ينتزع أحد مكان الآخر. أنا هنا ولن أترك أحدا خلفي.
شعر برناردو بوخزة في قلبه.
كم مرة حاول الجلوس معهم هكذا لكنه كان ينفجر غضبا قبل مرور دقيقة
وكم مرة رأى الخيبة في أعينهم لكنه لم يعرف كيف يمسحها
تنحنح دون قصد فالتفتت رؤوس الأطفال دفعة واحدة نحوه.
ركض أصغرهم ليو نحوه وهو يهتف
أبي! لورا قالت إننا سنخرج اليوم إلى الحديقة!
نظر برناردو إلى لورا بتساؤل لم يخف استياءه.
ابتسمت ابتسامة خجولة وقالت
اليوم جميل يا سيدي واعتقدت أن القليل من الهواء سيجعلهم أكثر هدوءا.
قال بصرامة متعمدة
نحن لا نخرج دون تخطيط. هذا ليس جزءا من نظام البيت.
قبل أن يعلق أحد أمسك مانويل بيد أبيه وقال
لكننا سنكون قرب لورا وهي قالت إنها ستراقبنا جيدا.
تنفس برناردو بعمق ثم قال
حسنا لكن نبقى في الحديقة فقط.
انطلقت صيحات الفرح من الأطفال الخمسة كأن الحكم صدر لصالحهم بعد انتظار طويل.
بعد ساعة كان برناردو واقفا عند الشرفة يراقب المشهد.
خمسة أطفال يركضون فوق العشب يطاردون الفراشات بينما تسير لورا خلفهم بخفة تضحك حين يتعثرون وتمد يدها لهم حين يسقطون
وتعانقهم حين يبكون.
لم تكن تعاملهم كأطفال يحتاجون إلى السيطرة بل كأرواح صغيرة تحتاج إلى أن ترى.
وقف برناردو طويلا وكأنه يرى أبناءه لأول مرة.
وفي المساء بعدما نام الأطفال وجد لورا في المطبخ تنظف الطاولة.
قال لها
هذا ليس عملك. لدينا من يقوم به.
التفتت إليه وقالت
أعرف لكنني أحب أن ينتهي اليوم بشكل مرتب يشعرني ذلك بالسلام.
وقف صامتا لحظة ثم سألها
لماذا لم تهربي مثل الأخريات
لقد بقيت أربعة أيام هذا رقم قياسي في هذا البيت.
أغلقت الصنبور ومسحت يديها ثم نظرت إليه بثبات غير متكلف
لأنني رأيت ما لم يره غيري.
رفع حاجبه
وماذا رأيت
قالت بهدوء يشبه الحقيقة التي لا تحتاج إلى تزيين
خمسة أطفال يوجعهم الخوف لا الشقاوة.
وأبا يحاول أن يكون قويا بينما قلبه مكسور.
تداخلت أنفاسه فجأة كأنها لامست جرحا لم يبرأ.
قال بصوت حاول أن يجعله صارما
أنت لا تعرفين شيئا عن حياتي.
ابتسمت بخجل وقالت
صحيح لكنني أعرف أن الأطفال لا يحتاجون إلى أب خارق بل إلى أب يسمعهم.
تركها وخرج لكن كلماتها ظلت تلاحقه كظل لا ينفك عنه.
وفي اليوم التالي حدث ما لم يتوقعه أحد.
استدعته مديرة المدرسة على وجه السرعة.
عندما وصل وجد لوكاس أحد التوائم جالسا في الزاوية معه حقيبته ويداه ترتجفان.
قالت المديرة بصرامة
هذه هي المرة الثالثة التي
يفتعل فيها مشكلة. دفع زميلا له ومزق أوراق النشاط ورفض المشاركة.
نظر برناردو إلى ابنه لكنه لم ير غضبا بل خوفا.
تقدمت لورا وقالت بأدب
هل يمكنني أن أسأل لوكاس سؤالا
أومأت المديرة لها.
اقتربت لورا وجلست عند مستوى الطفل.
قالت
ما الذي ضايقك يا صغيري
طال الصمت ثم انكسر بصوت خافت
قالوا إننا ليس لدينا أم وإن أبي لا يحبنا وإنه يهتم بنا فقط لأننا مشهورون.
انخفض رأس الطفل واهتزت كتفاه.
شعر برناردو كأن شيئا يسقط داخله شيء ثقيل ومؤلم.
قالت لورا
وماذا فعلت حين سمعت ذلك
دفعته ثم مزقت الورقة.
لا أريد أن أرسم بيتا بلا أم.
ارتجف صوت الطفل في آخر كلمة.
جثا برناردو على ركبتيه أمام ابنه ورفع ذقنه بيده
انظر إلي يا لوكاس
أنت لست بلا أم.
أمك تحبكم من السماء.
وأنا أحبكم أكثر مما تعرفون.
وإذا قصرت يوما فسامحني.
لم يقل الطفل شيئا لكنه انقض على أبيه وعانقه بقوة.
وقفت لورا في الخلف ووجهها يضيء بنور هادئ كأنها ترى أسرة تولد من جديد.
وفي السيارة بعد أن غادروا المدرسة جلس الأطفال حولها ينصتون لقصصها التي كانت تخترعها في اللحظة نفسها.
كل قصة كانت تتحدث عن بطل صغير شجاع ينتصر على الخوف لا بالقوة بل بالحب.
في تلك الليلة وقف برناردو عند باب غرفة التوائم يراقبهم نائمين بسلام غير مألوف.
غطى لوكاس بالبطانية
كما كان يفعل قديما وعندما استدار وجد لورا خلفه.
تبادل كلاهما نظرة قصيرة لكنها كانت أطول من
تم نسخ الرابط