دعا مليارديرٌ مجموعةً من العارضات لتختار ابنته منهنّ أمًّا… لكنها أشارت إلى الخادمة
بها
لكنهم قالوا إنني بلا أم
ترددت كلارا لحظة ثم نظرت إلى ريتشارد قبل أن تقول بشجاعة هادئة
لديك أم تراك من السماء
وحتى ذلك الحين سأكون أنا هنا معك دائما
ساد صمت وقد سمع الحاضرون كلماتها
لم يشعر ريتشارد بالحرج بل بشيء آخر شيء يشبه الحقيقة
منذ تلك الليلة تغير
لم يعد يقسو على كلارا لكنه ظل متحفظا
ومع ذلك كان يراقب من بعيد أميليا وهي تزدهر بقربها ضحكات الليل القصص في أوقات النوم العناق حين تبكي الصغيرة في الظلام
وراح يكتشف شيئا لم يعرفه من قبل
أن البيت لا يبنى بالخدم بل بالحنان
وذات مساء جاءت أميليا تشده من كمه
أبي أريدك أن تعدني بشيء
ما هو
أن تتوقف عن النظر إلى السيدات الأخريات لقد اخترت كلارا
ابتسم بمرارة
يا أميليا الحياة ليست بهذه السهولة
ولم لا قالت ببراءة هي تجعلنا سعداء وأمي في السماء سترضى بذلك
كانت كلماتها أبعد أثرا من أي حجة مالية
ومرت الأسابيع ثم الأشهر وتلاشى
وفي ظهيرة خريفية دعا كلارا إلى الحديقة ارتبكت تعدل مريولها
قال بهدوء مختلف
كلارا أظن أنني مدين لك باعتذار لقد ظلمتك
لا داعي للاعتذار يا سيدي أنا أعرف مكاني
قاطعها بلطف غير مألوف
مكانك حيث تحتاجك أميليا
ويبدو أن ذلك المكان هو هنا معنا
اتسعت عيناها دهشة
هل تعني أنك
تنفس بعمق كأنه يتخلى عن سنوات من الصمت
أميليا اختارتك قبل أن أرى الحقيقة
والآن أوافقها
هل تقبلين أن تكوني جزءا من هذه الأسرة
لم تستطع الرد غمرت الدموع عينيها وارتجفت يداها
ومن الشرفة دوى صوت ضحكة صغيرة
قلت لك يا أبي! قلت لك أنها هي!
كانت أميليا تقفز فرحا وثوبها الأبيض الصغير يتمايل مع كل خطوة كأنه يشاركها الاحتفال كانت عيناها تلمعان ببريق لم يره ريتشارد فيها منذ سنوات بريق طفل عاد إليه الأمان بعد غياب طويل
كان الحفل بسيطا لا يشبه شيئا مما اعتاده آل لانكستر
لا ضيوف ببدلات فاخرة ولا كاميرات صحافة ولا قصر مزدان بديكورات تكلف ثروة
كان
حتى المقاعد لم تكن فخمة كانت خشبية خفيفة تصطف بعفوية صادقة كأن هذا اليوم لم يصنع للعرض بل للحياة
وقفت كلارا بثوب بسيط لا يضج بالأحجار أو التطريز بل بخجل امرأة لم تتخيل يوما أن تكون في مثل هذا المكان كان وجهها مغمورا بخليط من الدهشة والامتنان ويديها ترتجفان قليلا وهي تمسك باقة صغيرة من الزهور البرية قطفتها أميليا بنفسها
وعند المذبح حين تبادل ريتشارد وكلارا النظرات أدرك الرجل القوي شيئا لم يدركه طوال حياته
أدرك أنه رغم القصور التي شيدها ورغم الشركات التي أسسها ورغم الأموال التي حققها كان بناؤه هشا من الداخل
لقد بنى إمبراطوريته على السيطرة والمظاهر على العروض والتعاقدات والصفقات التي تلمع في أعين الآخرين
لكنه حين فقد زوجته انهار شيء عميق فيه شيء لم تنجح القوة ولا الثروة في ترميمه
واليوم وهو يرى طفلته آمنة بين يدي كلارا يراها
أن أقوى ما في الحياة ليس السلطة بل الحب
وأن العائلة ليست مشروعا يدار بل قلبا يحتضن
ابتسمت أميليا وهي تشد طرف ثوب كلارا كما لو كانت تخشى أن تفلت منها وتستيقظ من حلم جميل
وقالت بصوت صغير لكنه واثق
أرأيت يا أمي كنت أعلم أنه سيختارك
لم تستطع كلارا كبح دموعها فانحنت تقبل جبين الصغيرة وهمست
وأنا كنت أعلم أنك على حق منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها
وبينما كانت أجراس الكنيسة تدق ونسيم خفيف يحرك شعر أميليا خرج الثلاثة معا
خرجوا ببطء كأنهم يخطون نحو بداية جديدة لا تشبه أي بداية أخرى
كان ريتشارد يمسك بيد كلارا وأميليا تمسك بيدها الأخرى وبينهما شعور واحد يجمعهم
أنهم أخيرا أسرة
أسرة لم تولد من المظاهر ولا من ثروة تعقد عليها الصفقات بل من جرح التأم برفق ومن قلب وجد طريقه إلى قلب آخر
وفي تلك اللحظة تحديدا عرف ريتشارد أنه لم يكسب زوجة فحسب ولا شريكة حياة فقط
بل
بيته الحقيقي