تركَني ابني وحيدة في قسم الطوارئ ليعود مسرعًا إلى حفلة ترقية شركته

لمحة نيوز

من الصراع. خط النهاية لماراثون ركضته حافية القدمين تنزف وهي تنظف الأرضيات وتتنازل عن وجباتها وترتدي ثيابا مستعملة وتعمل ورديات مزدوجة كي يحظى كيفن بالمدرسين الخصوصيين والجامعة والملابس المناسبة والحياة المناسبة.
فكرت وهي تشعر بالمطر يتسرب إلى ضمادها
بس بدي أشوفه. ما رح أدخل ما رح أحرجه. بس بدي أشوفه وهو يمسك الجائزة. من آخر القاعة للحظة واحدة فقط.
أوقفت سيارة أجرة بيدها المرتجفة. لم يكن لديها وقت للعودة إلى المنزل لتبديل ثيابها. كانت لا تزال ترتدي بدلتها الرمادية المهترئة الملطخة بالدم الجاف والمبللة بالمطر. ضمادة تلف رأسها كجرح حرب.
سألها السائق وهو يراقبها في المرآة بقلق
لوين
قالت إلى عقارات ستيرلنغ في شارع هايلاند.
توقفت سيارة الأجرة عند رصيف المنزل الراقي الذي يستأجره كيفنذلك المكان الذي تدفع هي نصف إيجاره لأن صورته تتطلب عنوانا معينا. كان المنزل منارة من الدفء. النوافذ تشع بضوء ذهبي. صوت موسيقى الجاز المنخفضة والضحكات المهذبة باهظة الثمن يتسرب إلى الشارع المبتل.
دفعت مارثا للسائق آخر عشرين دولارا معها. ثم ترنحت صاعدة الطريق المؤدي إلى الباب المطر يلصق خصلات شعرها الرمادي إلى جبينها. كانت تشبه شبحا شبح فقر يطوف على مائدة ملوك.
وصلت إلى الباب الأمامي. ترددت. ثم ضغطت الجرس بيد مرتجفة.
انفتح الباب فورا تقريبا. انهمر الضوء على الشرفة فأعماها للحظة.
كان كيفن.
كان يمسك كأس شمبانيا في يد ووجهه متوهج بسكر التسلق الطبقي والإثارة. خلفه استطاعت مارثا أن ترى داخل المنزل ثريات كريستالية رجال ببدلات رسمية نساء في فساتين لامعة عالم من دفء ونجاح.
اختفت ابتسامة كيفن في اللحظة التي رآها فيها. لم تتسع عيناه قلقا بل اتسعت رعبا. لم
ير أمه المصابة بل رأى لطخة على ليلته المثالية. رأى عبئا.
خرج بسرعة إلى الشرفة وأغلق الباب الثقيل خلفه تقريبا بالكامل حابسا الدفء في الداخل حاجبا رؤية الضيوف.
همس بصوت يغلي غضبا لم تسمعه منه من قبل
شو اللي عاملاه هون!
تلعثمت مارثا
جيت أباركلك. مدت يدها في جيبها العميق وسحبت كيسا ورقيا مبللا صغيرا. في داخله قلم حبر بسيط رخيص اشترته من محل هدايا المستشفى. دفعت فيه ستة دولارات. جبتلك هذا لمكتبك الجديد.
لم يأخذ الكيس. نظر إلى بدلتها الوسخة. إلى الضمادة على رأسها. إلى الطين العالق في حذاء العمل.
هس غاضبا وهو يقترب من وجهها
انتي مجنونة شو هالشكل! بتبدين كمتسولة! كأنك زبالة!
كيفن أنا جيت مباشرة من المستشفى
قال من دون أن يكترث
ما بهمني من وين جيتي! أمسك بذراعها السليمة بقسوة وجرها بعيدا عن الباب نحو حافة درجات الشرفة إلى تحت المطر المنهمر. انتي عم تحرجيني! شركائي جوه. الرئيس جوه! لو شافوكي لو عرفوا إني جاي من هيك كل صورتي بتنتهي! فاهمة بتنتهي!
صرخت وهي تبكي
أنا أمك يا كيفن بس حبيت أشوفك.
صرخ وقد تهشمت قشرة أناقته في لحظة
أنت عبء! ارجعي على بيتك! روحي! ولا تفكري تدخلي على ضيوفي وإنت طالعة كعاملة نظافة!
دفعها.
لم تكن دفعة عنيفة لكن الأرض كانت زلقة بالمطر ومارثا منهكة من فقد الدم والصدمة. ترنحت إلى الخلف قدماها لا تجد ثباتا. سقطت في بركة من الماء الموحل عند أسفل الدرجات.
أطلق الارتطام موجة من ألم أبيض حارق عبر ذراعها المكسورة. صرخت صوتها يخرج من أعماق اليأس.
رفعت رأسها من الطين. عبر المطر رأت ابنها واقفا في الشرفة الجافة ينظر إليها لا بندم بل باشمئزاز. كان يمسح يديه بمنديل كأن لمسة أمه لوثته.
قال بازدراء
لا ترجعي إلا لما تصيري
شكل يشرفني قدام الناس.
استدار وعاد إلى الداخل إلى الدفء والضوء وأغلق الباب الثقيل بعنف. دوى الصوت في الشارع الفارغ كطلقة. طقطقة القفل كانت النقطة الأخيرة في نهاية حكم امتد ثلاثين سنة.
ظلت مارثا ممددة في الطين وقتا طويلا. المطر البارد كان يغمر ثيابها حتى الجلد لكنها بالكاد شعرت به. كان الألم الجسدي في ذراعها كاسحا لكنه لم يكن شيئا أمام إحساسها بأن روحها هي الأخرى قد تحطمت أخيرا وبلا رجعة.
أمضت حياتها تبني له منصة. كسرت ظهرها عظمة بعد عظمة كي يقف عاليا. وها هو يستغل ذلك الارتفاع الآن ليركلها في وجهها.
شيئا فشيئا رفعت نفسها عن الأرض تشد ذراعها المصابة إلى صدرها. لم تطرق الباب ثانية. لم تصرخ. لم تتوسل.
ترنحت نزولا عبر الممر إلى زاوية الشارع تبحث عن ملجأ هزيل تحت مظلة محطة حافلات. جلست على المقعد المعدني البارد ترتجف بقوة.
أخرجت هاتفها القديم المتشقق من جيبها المبلل. كانت الشاشة مزوغة بالماء لكنها أضاءت.
مرت بإصبعها على اسم كيفن. لم تتصل بسيارة أجرة. لم تتصل بصديق.
فتحت دفتر الأرقام حتى وصلت إلى رقم حفظته قبل عشر سنوات. رقم أقسمت أنها لن تطلبه إلا إذا كان الأمر مسألة حياة أو موت.
حدقت في الاسم آرثر ستيرلنغ. خاص.
ضغطت زر الاتصال.
رن الهاتف ثلاث مرات.
نعم جاء الصوت عميقا آمرا. صوت رجل يقود جيوشا من الموظفين رجل يحرك الأسواق بهمسة. السيد آرثر ستيرلنغ رئيس مجلس إدارة شركة ستيرلنغ.
قالت مارثا صوتها لم يكن بعد الآن همس أم مجروحة بل كان ثابتا باردا صوت مقرض جاء ليطالب بدين قديم
سيد ستيرلنغ. أنا مارثا. مارثا هيغنز.
ساد صمت قصير على الخط. أصوات الحفل في الخلفيةالحفل نفسه الذي يقام على بعد أمتار قليلة منهاخفتت بينما انتقل الرجل على
ما يبدو إلى مكان أكثر هدوءا. انقلبت نبرة صوته من الانزعاج إلى احترام فوري عميق.
قال بجدية
مارثا يا إلهي مضت سنوات. هل كل شيء على ما يرام
لا آرثر. ليس على ما يرام.
نظرت مارثا إلى المنزل حيث كان ابنها يحتفل. رأت ظله في النافذة يضحك يتصدر الجلسة.
قالت تخاطب الظلام
قبل عشر سنوات عندما سحبتك من المستودع المحترق قبل وصول رجال الإطفاء عندما كان الدخان يملأ رئتيك وكنت فاقد الوعي قلت لي إني أنقذت حياتك.
قال بصوت خافت يحمل ثقل الذكرى
أتذكر. أتذكر كل ثانية. أدين لك بحياتي يا مارثا. هذا دين لا يسقط أبدا. أطلبي.
قالت
قلت لي إنه إذا احتجت يوما أي شيءأي شيء على الإطلاقما علي إلا أن أطلبه.
وفعلت ذلك تابع طلبت مني أن أوظف ابنك كيفن. أن أمنحه مسارا وظيفيا. أن أعطيه فرصة ليصبح رجلا عظيما.
هذا صحيح قالت ويغص صوتها قليلا. وأنا شاكرة لك على ذلك.
قال
دفعت به إلى أعلى السلم لخمس سنوات كما طلبت. كنت على وشك أن أعلن ترقيته إلى مدير هذه الليلة. هو لنقل إنه خشن الأطراف قليلا يا مارثا لكني فعلت ذلك لأجلك.
قالت وهي تغمض عينيها تترك للمطر مهمة غسل البقايا الأخيرة من إنكارها
أريد أن أستخدم هذا الدين الآن يا آرثر. لكني أريد أن أغير الطلب.
ماذا تحتاجين مالا رعاية طبية
قالت بصوت تحول إلى حديد
لا. أريدك أن تسترده.
أسترد ماذا
كل شيء قالت. أريدك أن تأخذ كل شيء منه.
في صباح اليوم التالي كانت الشمس تسطع بقوة عبر النوافذ الممتدة من الأرض حتى السقف في مكتب المدير في الطابق الأربعين من برج ستيرلنغ. المدينة في الأسفل بدت كمجسم صغير نظيفا يسهل السيطرة عليه.
جلس كيفن في الكرسي الجلدي الضخم يشعر بالصداع لكن غارقا في البهجة. كان يتأرجح ذهابا وإيابا يتأمل المشهد.
لقد فعلها. أصبح مديرا. الليلة الماضية كانت ضبابا من الشمبانيا والتهاني
تم نسخ الرابط