تركَني ابني وحيدة في قسم الطوارئ ليعود مسرعًا إلى حفلة ترقية شركته
كانت السقالات في الطابق الثالث من موقع البناء الشاهق في وسط المدينة تئن تحت هجوم رياح نوفمبر. كان صوتا أجوف معدنيا يشبه هيكل عملاق يرتجف من البرد. في الساعة الثامنة مساء كانت المدينة في الأسفل شبكة من الأضواء الكهرمانية ومصابيح السيارات المسرعة عالما من الناس العائدين إلى منازلهم إلى عشاء دافئ وأرائك ناعمة.
كانت مارثا تقف وحدها على المنصة المعلقة على ارتفاع سبعين قدما في الهواء.
في الثانية والستين من عمرها كان جسدها خريطة مطبوعة بأثر العمل الشاق. ركبتيها تحملان وجعا مزمنا لا يهدأ وأسفل ظهرها يتيبس إذا وقفت مدة طويلة. كان ينبغي أن تكون الآن في شقتها الصغيرة الباردة تنقع قدميها في ماء دافئ وملح لا أن تكون هنا تفرك بقع الإسمنت الصناعي عن لوح من الزجاج المقوى وأنفاسها تتكاثف في الهواء البارد قبل أن تتلاشى في ظلام الليل.
غمست فرشاة التنظيف في دلو المذيب المتجمد. كانت يداها المحشورتان في قفازين رقيقين من المطاط الأصفر متشققتين الجلد حول مفاصل أصابعها متصدعا ونازفا. كل حركة دائرية كانت ترسل ومضة ألم حاد عبر كتفها لكنها لم تتوقف. لم يكن بإمكانها أن تتوقف.
دوامها الرسمي انتهى في الخامسة مساء. لكن هاتفها رن قبل أربع وعشرين ساعة.
كان كيفن. ابنها. فخرها. وعبؤها.
قال بصوت مشدود بتلك الطبقة الخاصة من الاستغاثة الممزوجة بالاستحقاق الطبقة التي تعرفها أكثر من دقات قلبها
ماما أحتاج البدلة. البدلة الرمادية من هوجو بوس الثلاثية القطع. ولازم أستأجر البنتلي لليلة. لو رحت حفل الترقية بسيارة تويوتا وببدلة رخيصة جاهزة رح أطلع كأني لا شيء. وما رح آخذ منصب المدير. الموضوع كله مظهر ماما. الانطباع هو الحقيقة. أنت ما بتفهمي عالم الشركات.
مارثا كانت تفهم أكثر مما
همست لنفسها وهي تميل بجسدها إلى الزجاج
فقط ساعة إضافية واحدة. ساعات العمل الإضافي تدفع مضاعفة. هذا يغطي تأمين استئجار السيارة.
مدت يدها نحو لطخة عنيدة من الإسمنت قرب الزاوية العليا من اللوح. هبت الريح بعنف فاهتزت المنصة. ارتفعت على أطراف أصابعها تمد جسدها قدر استطاعتها.
وجدت قدمها اليمنى المحشوة في حذاء عمل مهترئ رقعة من السائل العازل لم يجف بعد.
لم يكن هناك وقت للصراخ. العالم ببساطة انقلب على محوره.
شهقت مارثا وذراعاها تتخبطان بحثا عن شيء تتشبث به ولم يكن هناك شيء. استولت عليها الجاذبية فجأة بعنف وسحبتها إلى الأسفل. انزلقت من حافة المنصة.
لثانية مرعبة واحدة كانت بلا وزن في الهواء المظلم. ثم شد الحزام الواقي فجأة.
كانت الوقفة عنيفة. قبض النسيج المصنوع من النايلون على جسدها لكن قوة الاندفاع جعلت جسدها يتأرجح بعنف إلى الداخل فاصطدمت بجانب عارضة فولاذية مكشوفة من هيكل المبنى.
طق!
كان الصوت رطبا ومقززا عاليا بما يكفي ليسمع رغم عواء الريح.
انطلق صراخ من حلق مارثا صرخة خام بدائية فيما كانت تتدلى هناك تدور ببطء في العدم. ذراعها اليسرى كانت تتدلى بزاوية غير طبيعية وومضات من نار حادة تنطلق من كتفها إلى عنقها. راحت تتأرجح بين الوعي والغيبوبة أضواء المدينة تتلون في عينيها بخطوط نيونية من الألم إلى أن اخترق شعاع
بعد ساعتين كانت أضواء الفلورسنت القاسية في قسم الطوارئ في المستشفى العام تصدر أزيزا لا مباليا. كان الهواء مشبعا برائحة المطهرات والكحول الطبي.
كانت مارثا ممددة على نقالة في حجرة صغيرة مفصولة بستارة. ذراعها في جبيرة مؤقتة من الألياف الزجاجية ووجهها مسلوخ من أثر الاصطدام بالفولاذ وبدلة العمل الرمادية الموحدة مغطاة بغبار البناء ودم جاف.
انزاحت الستارة بعنف. اقتحم كيفن المكان.
توقف عند طرف السرير. كان يلهث لكن ليس من القلق.
كان يبدو مدهشا. يرتدي البدلة الرمادية من هوجو بوس التي حولت له ثمنها في الصباح. شعره مصفف بعناية ورباط عنقه الحريري معقود بإتقان هندسي. كان يبدو كقائد صناعة رجلا يستحق أن يظهر على غلاف مجلة فوربس. كان يبدو غريبا تماما في خلفية قذارة وبؤس قسم الطوارئ.
همس ماما! وهو يخفض صوته وعيناه تلتفتان نحو مكتب الممرضات ليتأكد أنه لا أحد يراقب. شو اللي صار ليش اتصلوا في
رمشت مارثا تقاوم ضباب المسكنات. تمتمت بصوت مبحوح
سقطت يا كيفن في موقع العمل. أظن أظن العظمة مكسورة تماما.
مرر كيفن يده في شعره في إيماءة مشبعة بالإحباط الخالص. لم يتقدم ليمسك بيدها. لم يربت على كتفها. اكتفى بالنظر إلى ساعتهرولكس كانت قد اشترتها له في عيد ميلاده الثلاثين.
يا إلهي ماما. اليوم بالذات من بين كل الليالي أخذ يدور في الحجرة الضيقة أحذيته اللامعة تصدر صريرا فوق الأرضية. عندي الحفل بعد خمسة وأربعين دقيقة. الرئيس رح يعلن اسم المدير الجديد للمبيعات. لازم أكون هناك علشان أستلم المنصب.
شعرت مارثا ببرودة تتسلل إلى صدرها لا علاقة لها بنسيم نافذة الموقع المفتوحة. قالت والدموع تلمع في عينيها
أنا آسفة كنت كنت أشتغل
لم يهتز كيفن أمام هذا التضحية. لم يتوقف ليلاحظ أنها ممددة على سرير مستشفى لأنها كانت تحاول أن تشتري له سيارة فاخرة لأربع ساعات. بدا فقط مرتاحا لأن الترتيبات المالية محلولة.
قال وهو يضبط شكل منديله في جيب سترته ويتفقد انعكاسه في شاشة جهاز مراقبة القلب
اسمعي ما بقدر أظل. الأطباء رح يخلصوا الورق. اتصلي بتاكسي لما يطلعوكي. والأهمما تتصلي في. موبايل لازم يضل فاضي لرسائل التهاني ومكالمات الشركاء.
استدار نحو فتحة الستارة.
نادته بصوت ضعيف مرتجف
كيفن
توقف ويده تمسك بطرف القماش نافد الصبر. شو
همست
بالتوفيق أنا فخورة فيك.
لم يقل أحبك. لم يسأل إن كانت تتألم. لم يعرض أن يرسل لها سيارة لاحقا. كل ما فعله أن أومأ برأسه إيماءة سريعة حادة تشبه إشارة الإبعاد ثم غادر المستشفى. شاهدت مارثا الستارة تعود إلى مكانها تاركة إياها وحدها مع عظام مكسورة وثقل مفاجئ ساحق لغبائها هي لا لأحد غيرها.
استغرق الأمر ثلاث ساعات أخرى حتى قام طبيب العظام المقيم بإعادة العظم إلى مكانه وخياطة الجرح في جبينها. وحين خرجت من المستشفى كان سقف نوفمبر قد انفتح. المطر يهطل بغزارة بردا لاذعا يحول مجاري الشوارع إلى أنهار صغيرة هائجة.
وقفت على الرصيف خارج قسم الطوارئ تشد أوراق الخروج في يدها السليمة. كان الألم في ذراعها نارا خافتة تنبض مع كل ضربة من ضربات قلبها. كانت تعرف أنه ينبغي أن تعود إلى البيت. أن تعود إلى شقتها تأخذ المسكنات القوية التي أعطتها لها الممرضة وتنام أسبوعا كاملا.
لكنها كانت أما. وعلى الرغم من البرودة التي ملأت غرفة المستشفى وعلى الرغم من سنوات الإهمال كان قلبها لا يزال ينتفخ بفخر أحمق عنيد.
ابنها سيصبح مديرا
كانت هذه ذروة ثلاثين عاما