كانت تظنّ أنها نجت من الفقد… حتى أصبح الفتى الذي أنقذها السرّ القادر على تدمير كلّ شيء.

لمحة نيوز

الرعد يزأر في السماء.
والبرق يضيء الزقاق الضيق للحظة عابرة
وفي تلك اللحظة
رأت عائشة ظلا يقف عند طرف الحارة.
جسد نحيل.
منحني.
ينتعل شبشبا مكسور الحزام.
عينان مظلمتان تحدقان نحو نافذتها مباشرة.
سقط قلبها.
موسى همست.
لكن بعد لحظة
اختفى الظل.
كأنه لم يكن.
ولم تكن تعرف
هل جاء ليعتذر أم ليكمل ما بدأه
هل هو ضحية أم قنبلة موقوتة
هل كان يحميها أم يدمرها دون قصد
أما موسى
فكان واقفا في الظلام مختبئا عن الجميع يراقب البيت.
داخل صدره لم تكن هناك حرب واحدة
بل حربان تتصادمان كعاصفتين لا ترحمان
الحرب الأولى
الأمر الذي طلب منه تنفيذه
ذلك الصوت القاسي الذي تعلم أن
يطيعه منذ كان طفلا ضائعا
الصوت الذي قال له دائما
أنت لا تساوي شيئا إلا بما تقدمه لنا.
أحضر الأطفال غير ذلك فأنت لا شيء.
ذلك الصوت الذي رباه على القسوة
على الجوع
على الخضوع
على أن يكون الأداة لا الإنسان.
والحرب الثانية
ذلك الدفء الغريب الذي شعر به للمرة الأولى
في الليلة التي رأى فيها عائشة تبكي خلف صناديق القمامة.
لم يكن مثل أي شيء عرفه سابقا.
لم يكن شفقة
ولا رغبة
ولا واجبا.
كان شعورا أشبه بيد صغيرة تمسك قلبا متجمدا
وتحاول أن تعيد إليه نبضا كان قد مات منذ زمن.
لم يفهمه.
لم يعرف كيف يتعامل معه.
لكنه شعر به
كأنه يقسم صدره إلى نصفين.
كانت الرياح تعوي
في الزقاق
تضرب الأبواب المعدنية
تهز أسلاك الكهرباء المتدلية
وتطلق صفيرا يشبه صيحات تحذير.
ومع ذلك
لم يتحرك موسى.
لم يرحل.
بقي واقفا يختبئ في ظل جدار متشقق
ثيابه تلتصق بجلده بفعل الرطوبة
أنفاسه تتراكم في صدره كأنها تريد الهروب منه
عيناه لا تفارقان النافذة الخافتة التي تنام خلفها عائشة.
كان غير مرئي
للمارة للضوء وحتى لنفسه.
وكأن جسده حاضر
لكن روحه معلقة بين زمنين
زمن علمه أن يكون ذئبا
وزمن جديد بالكاد ولد علمه أن قلبه ليس ميتا بالكامل.
ممزقا بين حياة اعتادها
وحياة تذوق طعمها لأول مرة معها.
كان يعرف شيئا واحدا فقط
أن تلك الليلة
لن تكون النهاية.
ولا حتى
البداية الحقيقية.
لن يكون أي منهما كما كان من قبل
لا هو ولا عائشة.
فالطفلة التي أفلتت من المصيدة ليست آمنة بعد
والفتى الذي لم يعرف يوما معنى الرحمة
تذوق منها قطرة واحدة
فظل يتعثر خلف أثرها
غير قادر على التقدم
ولا على الانسحاب.
وقصتهما لم تبدأ بعد.
بل إن كل ما مضى كان مجرد همس خافت لما سيأتي.
ففي المسافة بين ظلام الليل وبياض الصبح
في تلك اللحظة التي يتوقف فيها العالم قليلا لالتقاط أنفاسه
كانت معركة جديدة تنتظرهما.
معركة ضد الخوف
ضد الجوع
ضد الذئاب التي لا ترحم
وأخطر من ذلك
معركة ضد ما يشعران به
ضد ما يجهلانه
ضد ما يجرح أرواحهما دون أن تلمسه الأيدي.

لأن الطريق أمامهما
لم يكن طريق نجاة فقط
بل طريق كشف
وحقيقة
وصراع قد ينقذ أحدهما
ويكسر الآخر.

تم نسخ الرابط