لم تنطق منذ ولادتها إلى أن جاء طفل فقير وغيّر مصيرها
المحتويات
بسيطة وقال بهدوء
هو ينتظر
عادت تنظر إلى والدها شفتاها تتحركان ببطء ثم خرجت الكلمة
Dad
لم تكن الكلمة مثالية ولا نطقت بحرف ال د بثبات كامل لكنها كانت كافية لتحطم سبع سنوات من الصمت
شعر هنري برأسه يدور وكأن القصر كله يميل من حوله
لم يقترب منها جسديا لكنه انحنى أكثر ووجهه يقترب من مستوى وجهها ودموعه تتجمع دون أن يخفيها
قال بصوت مبحوح
سمعتك سمعتك يا إيفا
ضحكت الصغيرة ضحكة قصيرة مترددة كأنها تكتشف أن صوتها لا يسبب كارثة ولا يجلب صراخا ولا يفتح أبوابا للوم
كان مالك يقف على الدرجة الجانبية يراقب المشهد بصمت
في عينيه شيء يشبه الراحة وشيء آخر يشبه الحزن
في ذلك اليوم لم يطرد هنري الفتى
على العكس تماما
أدخله إلى الحديقة الخلفية وجلس أمامه على طاولة خشبية بسيطة بينما إيفا تجلس على مقعد قريب تراقب الاثنين بصمت جديد مختلف صمت من يستمع لا صمت من يعجز عن الكلام
قال هنري
مالك من أين أتيت
أجاب الفتى
من الحي الثالث
شهق هنري تقريبا دون صوت
الحي الثالث كان معروفا بالجرائم والفقر المدقع والإهمال الرسمي
حي لا يدخل إليه أحد من أمثاله إلا برفقة حراسة أو في نشرات الأخبار
ومن تعيش معه هناك
سأل هنري
أجاب مالك بعد تردد قصير
كنا نعيش أنا وأبي وأمي قبل أن تموت
توقف للحظة ثم أكمل
الآن أعيش وحدي تقريبا
لم يسأله هنري عن تفاصيل تفيض وجعا
لم يسأله كيف يأكل وأين ينام وكيف يدافع عن نفسه في منطقة لا ترحم الضعفاء
لكن السؤال الأكبر كان يحترق في رأسه
كيف
قال مالك ببساطة
ما عملت شي يا سيدي جلست جنبها سألتها إذا بتحب الشطائر هزت رأسها فقلت لها لو بتحبي الشطيرة قولي لي كلمة واحدة بس وأنا أصدقك
ثم ابتسم بخفة
ما كنت متوقع أنها فعلا راح تحاول
كان يروي الأمر كأنه حكاية عادية بينما بالنسبة لهنري كان ما حدث انقلابا كاملا في حياته
مرت أيام قليلة
وتحول وجود مالك في القصر من حادثة غريبة إلى واقع يومي
لم يكن يعيش هناك بشكل رسمي لكنه كان يأتي كل يوم تقريبا من البوابة الخلفية غالبا في ساعات متفرقة
كانت مارغريت مديرة المنزل تنظر إليه في البداية بحذر ثم بدأت تتعامل معه على أنه جزء من نظام البيت دون أن تعترف بذلك صراحة
إيفا أصبحت تنتظره
كانت تجلس قرب النافذة المطلة على الحديقة الخلفية وتراقب الطريق الذي يأتي منه وكلما رأت جسما نحيلا يتحرك من بعيد يلمع في ضوء الشمس بخطوات مترددة كانت عيناها تتسعان وملامحها تلين
مع مرور الوقت أصبحت كلماتها أكثر
لم تتحول فجأة إلى طفلة ثرثارة لكنها بدأت تلتقط مفردات جديدة تختارها بعناية تقولها ببطء كمن يختبر عالما لم يعتده بعد
كلمة بابا
كلمة مالك
كلمة شمس
وحتى كلمة لا عندما لا تريد شيئا
كان هنري يراقب هذا التحول بعينين متعبتين لكن قلبه بدأ يستيقظ من صدمة قديمة كانت تجمده
في إحدى الأمسيات استدعى مالك إلى مكتب في الطابق العلوي مكتب أصغر من غرفة المراقبة لكن فيه نافذة واسعة تطل بشكل مباشر على الحديقة حيث تلعب إيفا تحت مراقبة الخدم
جلس هنري على كرسيه الجلدي وأشار للفتى أن يجلس على الكرسي
بدا مالك متوترا لكنه لم يرفض
قال هنري
هناك شيء لا أفهمه أنت لم تأت إلى هنا صدفة أليس كذلك
تصلب جسد مالك للحظة
سادت دقيقة من الصمت لا يسمع فيها سوى صوت عقارب الساعة
ثم قال بهدوء
في البداية نعم كنت أبحث عن أي مكان أجد فيه طعاما أو زاوية أرتاح فيها من ضوضاء الحي
سكت قليلا
لكن لما شفت إيفا عرفت أن الموضوع مو صدفة بالكامل
تقلصت عينا هنري
ماذا تقصد
أجاب مالك وعيناه تلمعان بذكرى بعيدة
لأن عندي أخت كانت مثلها
شرح مالك بصوت هادئ
أختي اسمها ليلى كانت أصغر مني بسنتين ما كانت تحكي كثير كانوا يقولون إنها عندها مشكلة وإنها تحتاج دكتور لكن ما كان في فلوس أحيانا كان أبي يتعصب لما تحاول تناديه فيصرخ عليها دون قصد ومع الوقت صارت تخاف من الكلام
تنهد
كنت أنا الوحيد اللي يجلس جنبها ويسمعها وهي تحاول تهمس ما كانت كلمات كاملة لكنها كانت تحاول الناس اعتبروها حالة وأنا اعتبرتها أختي اللي لازم حد يسمعها حتى لو ما فهم كل حرف
خفض صوته أكثر
ماتت وهي صغيرة ومن يومها لما أشوف طفل ساكت أحس إن السكوت مو مرض السكوت صرخة بس بلا صوت
شعر هنري بشيء يخنقه من الداخل
كأن كل كلمة يقولها مالك هي مرآة لما عاشته إيفا طوال السنوات الماضية
قال بصوت مبحوح
يعني أنت لم تتعلم هذا من كتب أو أطباء بل من حياتك
ابتسم مالك ابتسامة قصيرة لم تدم طويلا
من الفقر ومن الخسارة
مرت لحظات من الصمت قبل أن يمد مالك يده إلى جيبه ويخرج شيئا صغيرا ملفوفا في منديل مهترئ
في شي لازم يرجع
فتح هنري القماش بيدين بطيئتين يتحسس شيئا معدنيا صغيرا
فجأة اتسعت عيناه
كان العقد الفضي الصغير المستدير الذي يعرفه جيدا
نقش على طرفه اسم Eva
شعر هنري كأن الوقت يعود به سبع سنوات إلى الوراء إلى غرفة المستشفى إلى ابتسامة زوجته وهي تضع العقد في رقبة الرضيعة حديثة الولادة وتقول له
أريدها أن تحمل اسمها على صدرها دائما حتى لو لم أكن موجودة
هذا العقد نفسه
هو الذي اختفى ليلة الحادث المشؤوم الذي حطم كل شيء
قال الأطباء إنه ضاع أثناء نقل إيفا من موقع الحادث إلى المستشفى وربما سقط أو انقطع أو ضاع في الظلام
بحث عنه هنري في كل مكان لم يجده
ومع مرور الوقت تحول العقد إلى رمز يؤلمه بمجرد أن يتذكره فدفن ذكرى ضياعه في أعماق عقله
والآن
ها هو يعود إليه في يد طفل من الحي الثالث
رفع هنري رأسه بصوت مخنوق
من أين حصلت على هذا
أجاب مالك بصراحة وإن كان صوته يرتجف قليلا
وجدته في بيت رجل كان الناس يقولون إنه هو اللي عمل الحادث
تجمد هنري
الرجل الذي كان يقود السيارة التي اصطدمت بسيارتنا
أومأ مالك
نعم كان يسكن في الحي الثالث كان عنده سمعة سيئة وأبي كان يشتغل معه أحيانا
شعر هنري أن الأرض تميد به تحت قدميه
كيف
شرح مالك
أبي كان يقول إنه مجرد سائق مساعد يوصله ينتظره ياخذ منه نقودا قليلة مقابل خدمات بسيطة لكن في الفترة الأخيرة قبل ما يموت الرجل كان يتصرف بغرابة يخبي أشياء يحكي في الليل بكلام مو مفهوم
ابتلع ريقه قبل أن يكمل
بعد ما مات دخلت بعض الوجوه
متابعة القراءة