لقد كانوا يضايقون طفلًا أسود جديدًا في المدرسة ثم ظهر عشرة من سائقي الدراجات النارية عند بوابة المدرسة…
كان الصوت الهازئ ينطلق كالسهم ممزوجا بالتحقير والغرور
لماذا لا تعود إلى المكان الذي جئت منه ها
لم تكن الكلمات وحدها هي ما جرح ماركوس في ذلك الصباح بل الطريقة التي قيلت بها النبرة المتعالية التي حملت معها حكما مسبقا على إنسان لم يعرفوه بعد وصوت الضحكات التي تلت الجملة جعلت قلبه يهبط إلى معدته.
كان ذلك اليوم الأول لماركوس في مدرسة أوكريدج الثانوية تلك المدرسة الكبيرة الواقعة وسط منطقة هادئة في ضواحي تكساس. كانت الشمس عالية في السماء قاسية في حرها تضرب ساحة المدرسة الواسعة بلهيب يجعل الهواء يبدو كما لو كان يتموج فوق الإسفلت. ومع ذلك فإن البرد الذي شعر به ماركوس كان أشد من حر الشمس برد يخرج من أفواه الذين أحاطوا به برد نابع من الرفض ومن النظرات التي كانت تخبره بصوت صامت أنت لست منا.
كان ماركوس في الرابعة عشرة من عمره. طوال الطريق إلى المدرسة في ذلك الصباح كان يشعر بنوع من التفاؤل الحذر. كان يقول لنفسه إنه ربما فقط ربما ستكون هذه فرصة جديدة. مدينة جديدة مدرسة جديدة فرصة لإعادة بناء حياته بعيدا عن الماضي بعيدا عن المدرسة القديمة التي خاض فيها صراعات لم تنته إلا حين رحلت والدته من تلك المدينة.
تذكر كلمات والدته وهي توقظه قبل الفجر أثق بك يا بني. ستكون شجاعا. وستتجاوز كل شيء.
كانت كلماتها لطيفة لكن عينيها كانتا تحملان القلق الخفي الذي لم تستطع إخفاءه عنه رغم حرصها.
غير أن كل تلك الأمنيات اصطدمت بالواقع خلال أول ساعات من اليوم الدراسي.
كان مجموعة من الفتية قد أحاطوا به عند بوابة المدرسة. كانوا شقر الشعر يرتدون زيا مدرسيا مرتبا على عجل لكنه يلمع كأنه خرج لتوه من المغسلة. أصواتهم كانت مرتفعة ضحكاتهم عالية ونظراتهم متعمدة في إظهار السيطرة. أحدهم طويل القامة كان يقف في المقدمة وتبين لاحقا أنه تايلر قائد المجموعة والمشهور بين طلاب المدرسة بسلوكه المتعجرف.
دفعه أحدهم على كتفه دون سبب واضح. ثم ركل آخر حقيبته فتطايرت كتبه في الهواء قبل أن ترتطم أرضا وتتناثر عبر الممر.
قال أحدهم ساخرا ألن تستطيع حتى
شعر ماركوس بجفاف شديد في حلقه. حاول أن يلتقط أنفاسه ببطء حتى لا يرى أحد ارتجاف صدره. انحنى ليلتقط كتبه ولكن يده ارتعشت قليلا عندما مدها نحو كتاب الرياضيات الذي ابتعد مسافة قصيرة عن باقي الكتب.
قال بصوت منخفض بالكاد مسموع لا أريد أي مشكلة
لكن هذه الكلمات بدت وكأنها صبت الزيت على نار السخرية.
تعالى ضحك الفتية ضحك يشبه طنينا مزعجا يلتف حول أذني ماركوس. كانت ضحكاتهم ساطعة كالسكين تخبره بأنه مهما حاول الانسحاب بسلام فإنهم لن يتركوه.
ابتعدت الحافلة الصباحية ببطء مصدرة ذلك الصوت المعروف بهسيس الهواء تحت العجلات. كان هذا الصوت هو آخر ما تبقى من ضجيج العالم الطبيعي قبل أن يتوارى خلف ضجيج السخرية. ومع مغادرتها خيم على المكان صدى ضحكات الفتية ووقع أقدامهم.
أخذ ماركوس نفسا قصيرا وحاول أن يقف بثبات لكنه لم يكد ينهض حتى جاءته دفعة أخرى أقوى من السابقة أفقدته توازنه وأسقطته أرضا. شعر بخشونة الأرض على كفه عندما حاول الاتكاء عليها ورأى كتاب الرياضيات يرتطم بالأرض ويصدر صوتا خافتا كأنه تأوه صغير.
قال تايلر بابتسامة ساخرة تكشف عن ثقة مفرطة بالنفس يا للشفقة هذه المدرسة ليست من مستواك.
كانت المارة من الطلاب يقفون غير بعيد. بعضهم كان يراقب ما يحدث لكن لم يتجرأ أحد على التدخل. كان الخوف سائدا الخوف من أن يصبحوا الهدف التالي الخوف من غضب تايلر أو ربما اللامبالاة الباردة التي تشعرك بأن معركتك ليست معركتهم. كان هذا الصمت بالنسبة لماركوس أشبه بخنجر مغروس في الظهر.
رفع رأسه قليلا ورغم أن الشمس كانت قوية فإن ما أحرق عينيه لم يكن الضوء بل الخجل. ذلك النوع من الخجل الذي يجعلك تشعر بأن العالم بأسره ينظر إليك ويضحك.
ثم
حدث شيء لم يكن في الحسبان.
شق الهواء صوت مختلف تماما عن أصوات الطلاب صوت عميق مجلجل يتصاعد تدريجيا كأنه هدير قادم من بعيد.
كان ذلك هدير محركات ضخمة.
التفت الجميع نحو الشارع. ومن هناك ظهرت عشر دراجات نارية كبيرة ثقيلة تتلألأ كرومها تحت الشمس. كان صوتها وحده كافيا لإسكات الضحكات.
كان المشهد أشبه بقافلة قادمة من فيلم أكشن رجال ونساء يرتدون سترات جلدية سوداء خوذهم عاكسة لأشعة الشمس وأجسادهم متراصة على الدراجات بثقة غير مألوفة في مثل هذا المكان.
لم يكونوا سائقين عشوائيين كان حضورهم بمثابة قوة كاملة قادمة لتعطيل كل ما يحدث.
توقفت الدراجات عند بوابة المدرسة. هدأ هدير المحركات قليلا لكنه بقي كالرعد الذي ينتظر لحظة الانفجار.
كان ماركوس ما يزال على الأرض عندما اقترب أحد الدراجين منه. كان رجلا طويلا ضخم البنية تتلألأ لحيته الفضية تحت الضوء وسترته الجلدية سوداء ثقيلة تحمل شعارات لم يفهمها ماركوس في البداية.
أطفأ الرجل محرك دراجته ورفع قناع الخوذة بحركة بطيئة لكنها واثقة.
قال بصوت هادئ لكنه يحمل قوة خفية
ما الذي يجري هنا يا أولاد
اختفى صوت الضحك تماما. فالتواجد الجسدي لهذا الرجل وحده كان كافيا ليجعل تايلر وعصابته يتراجعون خطوة كاملة.
تلعثم تايلر قائلا نحن فقط نساعده على الوقوف.
رفع الرجل حاجبه ببطء وكأنه يفحص صدق الكلمات قبل أن يرد
لا يبدو الأمر مساعدة.
ثم التفت نحو ماركوس الذي كان يحاول النهوض رغم الألم والإحراج.
أأنت بخير يا بني
أومأ ماركوس بخجل رغم أنه لم يكن متأكدا إن كان بخير حقا.
خلف الرجل أطفأ باقي الدراجين محركاتهم.
عشرة أزواج من الأحذية الثقيلة ارتطمت بالأرض في اللحظة نفسها.
كان لذلك الصوت تأثير يشبه رجفة تمر عبر الإسفلت.
خطا المتنمرون خطوة أخرى إلى الوراء.
وعند تلك اللحظة فقط لاحظ ماركوس الشعار على ظهر سترة الرجل
Iron Brotherhood Veterans
إخوة الحديد قدامى المحاربين.
رجال لا يخافون أحدا ولا يحتملون الظلم.
وتلك كانت اللحظة التي تغير فيها كل شيء.
تجمد الزمن للحظة
كأن كل شيء في ساحة المدرسة الشمس الهواء خطوات الطلاب توقف في انتظار ما سيحدث بعد ذلك. بدا المشهد كما لو أن العالم انقسم إلى نصفين نصف يضم ماركوس المطروح على الأرض وكتبه المبعثرة ونصف يضم الفتية الذين بدأ الخوف يتسلل إلى وجوههم رغم محاولاتهم إخفاءه.
أما النصف الثالث
كان قائدهم الرجل ذو اللحية الفضية يملك حضورا لا يشبه أي شيء رآه الطلاب من قبل. قوة هادئة هيبة لا تحتاج صراخا وثقة تسبق خطواته. كان كل تفصيل في شكله يصرخ بأنه رجل مر بالكثير وأنه لا يسمح لأحد بأن يؤذي الضعفاء أمامه.
نظر إلى ماركوس نظرة أبوية ثم عاد بنظره إلى تايلر ومجموعته وكأنه يعيد تقييمهم من جديد.
قال بصوت هادئ لكنه يحمل تحذيرا خفيا
هل لدى أحدكم شيء يريد إضافته
تجمد الفتية. حتى الهواء بدا مشدودا.
قال تايلر أخيرا وقد اختفى غروره تماما
نحن لم نكن أعني لم نقصد أي سوء.
اقترب الرجل منه بخطوة بطيئة لكنها ثابتة. وضعت الشمس خطا أبيض على جانب وجهه كأنه شق من الضوء.
قال له
النية ليست مهمة بقدر الفعل. والأفعال تقول إنكم كنتم تهاجمون فتى وحده.
ازدادت ضربات قلب تايلر. حاول أن يحفظ ماء وجهه أمام أصدقائه لكنه لم يجد جملة واحدة ليقولها.
عاد الرجل إلى ماركوس ومد له يده.
كانت اليد كبيرة قوية لكنها تحمل لطافة لم يتوقعها ماركوس. تردد لوهلة ثم أمسك بها وشعر بشيء لم يشعر به منذ زمن
شعور بأن أحدا يقف إلى جانبه.
ينهض ماركوس ببطء ويد الرجل تساعده على الثبات.
وقف الدراجون خلف قائدهم صفا واحدا كجدار من الحماية.
قال الرجل وهو ينظر إليه
أأنت متأكد أنك بخير يا بني
أومأ ماركوس مرة أخرى. هذه المرة كان صوته يظهر
نعم شكرا لك.
في تلك اللحظة كانت ساحة المدرسة بأكملها قد امتلأت بالهمسات. الطلاب الذين تجاهلوا الأمر قبل قليل أصبحوا الآن يراقبون عن بعد يشعرون بالخجل من صمتهم الأول ويشعرون بالدهشة من هذا المشهد غير المتوقع الذي يخالف كل ما اعتادوه في صباحات المدرسة.
استدار قائد الدراجين نحو رفاقه وأشار بيده إشارة خفيفة فاقتربوا قليلا يشكلون نصف دائرة حول ماركوس.
لم تكن خطوة تهديد بل إعلان واضح هذا الفتى أصبح تحت حمايتنا.
ثم قال للراغبين في الاستماع وبالأخص للمتنمرين
أتعلمون ما أسوأ ما قد يفعله المرء ليس أن يهاجم
كانت كلماته موجهة لكل