هذه ليست قصة عن الفقر… هذه قصة عن كرامة انتصرت بعد عشر سنوات
حين انحنت رؤوس أهل القرية في صمت مذعور وابتلعت الحناجر كلماتها كما تبتلع الأرض ماء المطر وقف الرجل في منتصف الطريق لا يطرف له جفن وعيناه معلقتان على الصغير الذي يقف خلف الباب يتطلع إليه بخجل وفضول. كان المشهد ثقيلا كأن الزمن توقف احتراما للحظة لا تكرر. تقدم الرجل خطوة كمن يخاف أن تتحطم الحقيقة إذا أسرع. تحركت شفتاه في محاولة لقول شيء لكن الصوت لم يخرج أول مرة. ثم قال بصعوبة جيمي وكأنه كان يختبر الاسم على لسانه لأول مرة في حياته وكأنه يريد أن يسمعه بصوت مسموع ليصدق أنه له. جيمي تراجع خطوة صغيرة ليس خوفا بل دهشة. كان ينظر إلى الرجل كما ينظر الطفل إلى صورة في كتاب ثم يراها تتحرك أمامه. أما إلينا فقد شعرت أن ساقيها ليستا قادرتين على حملها. ظلت واقفة فقط لأن الهواء حولها كان يضغطها إلى الخلف يمسكها من كتفيها كي لا تنهار.
اقترب الرجل أكثر وصوته ينكسر تحت وطأة سنوات ضائعة لم
لم تلتفت إليهن إلينا. كانت تنظر إلى الرجل إلى ذاك الوجه الذي حملته في ذاكرتها دون أن تدري أنها تحفظه بكل تفاصيله. قال لها أحتاج أن أتحدث معك ومعه من فضلك. لم تجبه مباشرة. بل نظرت إلى جيمي كأنها تريد أن تتأكد أن قلبه جاهز لسماع شيء أكبر من سنواته الصغيرة. لكن الطفل هو من كسر الصمت حين قال
دخل الرجل بخطوات بطيئة كأن البيت كله مقدس لأنه المكان الذي عاش فيه ابنه دون أن يدري. جلس جيمي على الكرسي الخشبي الصغير بينما بقي الرجل واقفا للحظات لا يعرف أين يضع نفسه. ثم قال بصوت خافت اسمي أدريان كول. رفعت إلينا رأسها بسرعة كأن الاسم أيقظ شيئا نائما فيها. قال كنت في رحلة عمل في تلك الليلة لم يكن معي أي وسيلة تواصل بعدها. عطلت العاصفة كل شيء وعدت إلى الطريق الذي التقينا عليه مرارا أسأل عنك لكنني لم أجد أحدا يعرف اسمك. ارتجفت أصابع إلينا فوق حافة الطاولة. قالت دون أن تنظر إليه ظننت أنني رحلت لأني أردت ذلك قال بسرعة لا! لم أظن شيئا. كنت تائها. كنت أحمل اسمك في ذهني لكنني لم أعرف أين أبدأ. ثم اضطررت للسفر مجددا. ثم مضت الأيام.
تقدم أدريان خطوة نحو جيمي وانحنى على ركبته أمامه. كانت الحركة بسيطة لكنها بدت كأن الجبال كلها تراجعت أمامها. قال له هل تحب الطائرات أومأ جيمي بصوت صغير نعم. ابتسم أدريان ابتسامة لم يستطع إخفاء رجفتها كنت في عمرك وأرسمها بالطريقة نفسها. فتح جيمي عينيه بدهشة طفولية خالصة ورفع الدفتر الذي كان يمسكه انظر رسمت هذه أمس. أخذ أدريان الدفتر وكأنه يحمل كنزا. نظر إلى الرسم ثم رفع عينيه نحو إلينا إنه موهوب. لأول مرة منذ سنوات شعرت إلينا بأن قلبها يفتح. ليس للرجل أمامها بل للحقيقة التي بدأت تستعيد شكلها الصحيح.
وقف أدريان ثم قال بعمق جئت لأبقى إذا سمحتما لي. رفعت إلينا حاجبيها ليس رفضا بل خوفا من أن تكون هذه الجملة حلما هشا تعود