قصة لويبيتا وماتيو: الخادمة الفقيرة التي أنقذت ابن المليونير… وغيّرت معنى العائلة للأبد
وما رآه تلك اللحظة جعله يتجمد فعلا في مكانه.
في وسط غرفة الجلوس الواسعة كانت لوبيتا الشابة ذات الثمانية والعشرين عاما تجثو على ركبتيها فوق الأرض الرطبة في يدها قطعة قماش مبللة تمررها بإصرار فوق بقعة عصير انسكبت على السجادة الفاخرة. سروالها القطني الأزرق مبتل عند الركبتين ويديها محمرتين من كثرة الفرك.
لكن هذا لم يكن ما شل حركته.
إلى جانبها كان يقف ماتيو ابنه ذو السنوات الأربع بشعره الأشقر ووجهه المستدير متكئا على عكازين صغيرين بلون أرجواني يمسك هو الآخر بقطعة قماش صغيرة يحاول تقليدها بحماس طفولي.
رفع الطفل ذراعه بصعوبة وهو يقول بصوت متحمس متقطع
خالتي لويبيتا أنا أقدر أنظف هذا الجزء هنا.
توقف قلب أليخاندرو لحظة.
ابنه واقف وحده تقريبا متوازنا بالعكازات يحاول أن يساعد الخادمة في تنظيف الأرض!
رفعت لوبيتا رأسها مبتسمة له برفق لم يره منها من قبل
لا تقلق يا ماتيو ساعدتني كثير اليوم تعال اجلس قليلا على الأريكة وارتاح وأنا أكمل.
هز الصغير رأسه بإصرار طفولي عنيد
بس أنا أحب أساعد أنت دائما تقولين إننا فريق.
كانت الجملة بسيطة لكن وقعها على أليخاندرو كان كضربة مباشرة في صدره.
فريق متى تكون هذا الفريق في بيته من دون أن يدري
ظل واقفا عند العتبة لم ينتبه له أحد بعد. رأى ابنه يحاول تغيير وضع العكازات ليتقدم خطوة أخرى جسده الصغير يرتجف قليلا من الجهد لكن عينيه تلمعان بفخر غريب.
في تلك اللحظة التفت ماتيو صدفة نحو الباب فرأى والده.
تغيرت ملامحه في ثانية مزيج من فرح مفاجئ وخوف خفيف ظهر في عينيه الزرقاوين.
بابا! رجعت بدري! صرخ حاول أن يستدير بسرعة فاهتز توازنه وكاد أن يقع.
قفزت لوبيتا واقفة وتركت الخرقة تسقط من يدها على الأرض. مسحت كفيها بسرعة في
مساء الخير يا سيد أليخاندرو ما كنت أدري إنك وصلت.
تلعثمت وهي تضيف
كنت فقط أنهي التنظيف.
لم يعلق. عيناه تتنقلان بين يد ابنه التي ما زالت قابضة على قطعة القماش الصغيرة وبين ركبتي لوبيتا المحمرتين وبين البقعة التي تقلص حجمها من كثرة الفرك.
ماتيو ماذا تفعل سأل بصوت حاول قدر الإمكان أن يبقيه هادئا.
ابتسم الصغير بفخر وكأنه يعرض إنجازا عظيما
أساعد خالتي لويبيتا بابا شوف! اليوم قدرت أقف لوحدي تقريبا خمس دقايق!
تجمدت ملامح أليخاندرو.
خمس دقائق
التفت تلقائيا نحو لوبيتا يبحث في وجهها عن تفسير. كانت عيناها مثبتتين في الأرض وأصابعها تعبث بمريولها في توتر.
خمس دقائق كرر ببطء. كيف
تقدم ماتيو خطوة متعثرة نحو والده مستندا على العكازات
خالتي لويبيتا تعلمني تمارين كل يوم. تقول لو أتدرب كثير يوما ما راح أقدر أركض مثل باقي الأولاد.
حل صمت ثقيل في الغرفة.
شعر أليخاندرو بمشاعر متضاربة تتصارع داخله دهشة غضب امتنان ارتباك. لم يعد يعرف أيها يصغي إليه.
تمارين قال أخيرا وهو ينظر إلى لوبيتا.
رفعت رأسها بتردد في عينيها خوف واضح من رد فعله
سيد أليخاندرو أنا فقط ألعب مع ماتيو ما كنت أقصد أعمل شيء غلط. لو حابب أقدر أوقف فورا وحتى أترك العمل لو زعجتك.
قطعها صوت ماتيو وهو يسرع إلى الوقوف بينهما تقريبا
لااا بابا! خالتي لويبيتا أحسن واحدة! لما أبكي من الألم ما تتركني. تقول إني قوي مثل المحارب.
شعر أليخاندرو بشيء ينكسر داخله.
متى آخر مرة سمع ابنه يتحدث بهذه الحماسة
متى آخر مرة جلس معه أكثر من خمس دقائق
متى آخر مرة رأى هذا اللمعان في عينيه
تنفس بعمق يحاول السيطرة على تلاطم الأفكار.
ماتيو اذهب إلى غرفتك قليلا أريد أن أتحدث مع خالتك
بس بابا
الآن يا ماتيو. قالها بنبرة حازمة لكن أقل قسوة من المعتاد.
نظر الصغير إلى لوبيتا فابتسمت له ابتسامة مطمئنة وأومأت برأسها كأنها تقول لا تخف. تحرك ببطء نحو السلم العكازات تصدر صوتا منتظما على الأرضية وقبل أن يختفي التفت وصاح
بابا! خالتي لويبيتا أحسن شخص في العالم!
ثم اختفى في الأعلى.
بقيت الغرفة هادئة لا يسمع فيها إلا صوت أنفاسهما. تقدم أليخاندرو ببطء ولاحظ عن قرب تشققات الجلد في كفي لوبيتا من كثرة التنظيف ومواضع البلل على بنطالها والعرق الذي يلمع على جبينها.
منذ متى وهذا يحدث سأل أخيرا. التمارين منذ متى وأنت تقومين بها مع ماتيو
تنفست ببطء قبل أن تهمس
منذ بدأت العمل هنا يا سيد أليخاندرو تقريبا من ستة أشهر. لكن والله العظيم ما تركت شغلي عشانها. أعمل التمارين في وقت استراحتي أو بعد ما أخلص كل شيء.
أنت لا تدفعين مقابل هذا.
هزت رأسها بخجل
أعرف يا سيد أليخاندرو وأنا لا أطلب شيئا. أنا أحب اللعب مع ماتيو. هو طفل مميز.
انقبض قلبه عند الكلمة.
مميز سأل بحدة خفيفة دون أن يشعر. مميز كيف
رمقته بدهشة طفيفة ثم ابتسمت لأول مرة منذ دخوله.
ابتسامة بسيطة صادقة بعيدة عن الابتسامات الرسمية التي يراها عادة من الموظفين والخدم.
مميز لأنه عنيد بطريقة حلوة يا سيد أليخاندرو. حتى لو التمرين يوجعه ما يستسلم. يبكي أحيانا بس يرجع يحاول من جديد. وقلبه كبير دائما يسأل إذا كنت تعبانة أو زعلانة. هو طفل مليء بالحب.
شعر أليخاندرو أن صدره يضيق.
متى آخر مرة لاحظ هو هذه الأشياء في ابنه
متى اكتشف هذا القلب الكبير الذي تتحدث عنه
لم يجد جوابا.
سأل بصوت أهدأ
ومن أين تعرفت على هذه التمارين أصلا
أخفضت عينيها مجددا
لدي خبرة بسيطة
أي نوع من الخبرة
ساد صمت قصير
أخي الصغير كارلوس يا سيد أليخاندرو قالت أخيرا. ولد بمشكلة في الساقين. أمضيت طفولتي وأنا أرافقه إلى مراكز العلاج الطبيعي أراقب الأخصائيين وأتعلم منهم وأعيد معه التمارين في البيت. كبرت وأنا أساعده يمشي خطوة خطوة. لما رأيت ماتيو ما قدرت أبقى أتفرج وهو حزين.
حزين تكررت الكلمة في رأسه كصدى مؤلم.
مع احترامي يا سيد أليخاندرو تابعت بصوت خافت. الصغير وحيد جدا. السيدة غابرييلا غالبا مشغولة بصديقاتها وأنت دائما في العمل. ففكرت يمكن أقدر أساعده شوي.
تلعثمت وهي تضيف
لو ما يعجبك أوقف فورا. كنت فقط
كنت ماذا يا لوبيتا
رفعت رأسها وفي عينيها الآن شيء جديد شيء يشبه القوة الهادئة
كنت فقط أريد أن أراه يبتسم أكثر يا سيد أليخاندرو. الطفل لازم يبتسم كل يوم.
لم يجد ما يقوله.
تذكر الزيارات السريعة التي كان يقوم بها لغرفة ابنه قبل النوم يسأله كعادة باردة
أخذت دواءك خلصت واجبك رحت على جلسة العلاج
لكنه لم يسأله يوما
هل ضحكت اليوم هل لعبت هل كنت سعيدا
أين غابرييلا سأل فجأة.
خرجت للعشاء مع صديقاتها يا سيد أليخاندرو قالت إنها ستعود متأخرة. أنا بقيت مع ماتيو تعشى واستحم عملنا التمارين وبعدين كان يشرب العصير وانسكب منه قليل على الأرض فأصر أن يساعدني في التنظيف.
نظر حوله فجأة بعين مختلفة
الأثاث يلمع الطاولات مرتبة حتى النباتات في الزوايا بدت حية أكثر.
كم من تفاصيل تمر كل يوم أمامه ولا يراها
لوبيتا هل أستطيع أن أسألك شيئا شخصيا
تفضل يا سيد أليخاندرو.
لماذا تعملين كخادمة من الواضح أنك تملكين معرفة حقيقية بالعلاج الطبيعي وأنك ممتازة مع الأطفال. لماذا لم تدرسي هذا المجال
ابتسمت لكن الابتسامة
لأني ما عندي شهادة يا سيد أليخاندرو. تعلمت كل شيء من حياة أخي بس هذا