ابنُ عاملةٍ تجمع القمامة وقف يوم تخرّجه وقال جملة واحدة جعلت الجميع يبكون

لمحة نيوز

طفلا صغيرا يحمل كيسا ممتلئا بالزجاجات الفارغة. كان واقفا على الرصيف ينظر إلى الطلاب الذين تركوا المدرسة كأنه يريد الدخول لكنه يخاف أن يسأل عن اسمه. اقترب منه ميغيل وسأله هل تريد الدخول إلى المدرسة هز الطفل رأسه وقال بصوت ضعيف لا أنا بس بجمع قناني. شعر ميغيل بوخز في قلبه وكأن طفولته كلها انقلبت أمامه في ثانية واحدة. جلس إلى جانبه على الرصيف وقال هل تعرف أنا كنت مثلك تماما. رفع الطفل عينيه بدهشة كأنه رأى شيئا مستحيلا. أكمل ميغيل لكن في يوم من الأيام دخلت المدرسة وتغير كل شيء. ظل الطفل صامتا لثوان ثم قال بس المدرسة مش إلنا. هز ميغيل رأسه وقال بابتسامة دافئة من قال ذلك المدرسة للجميع وأنت أولهم. تعال غدا وسأكون بانتظارك.
وانطلقت من تلك اللحظة شرارة جديدة شرارة
فكرة كانت تولد ببطء في صدر ميغيل منذ أن وقف على المسرح. بدأ يجمع التبرعات الصغيرة ثم موادا بسيطة من هنا وهناك حتى استطاع تحويل قطعة أرض مهجورة خلف المدرسة إلى مركز صغير للتعليم بنى جدرانه من الخشب القديم وسقفه من صفائح معدنية مستعملة. لكنه كان بالنسبة للأطفال الذين يأتون من الأزقة الفقيرة قصرا من نور. وزع مقاعد مصنوعة من خشب مكسور أعاد ترميمه ورسم على الجدران كلمات كان يرددها في طفولته ليدفع نفسه إلى الأمام. وعلى أحد الجدران كتب بخط كبير من القمامة يولد الضوء.
وفي مساء أحد الأيام وبينما كان يغلق باب المركز وصلت أمه وهي تحمل كيسا صغيرا من الزجاجات البلاستيكية. قالت بابتسامة خجولة بحب أساعد مثل زمان. نظر إليها طويلا ثم قال الفرق الوحيد يا أمي إننا اليوم ما بنبيع
القناني علشان ناكل بنجمعها علشان نعلم غيرنا. ضحكت ووضعت يدها على كتفه وقالت كنت أعرف يوما ما رح تصير رجلا يرفع رأسه ورأس كل فقير معه.
ومع مرور السنوات صار المركز يكبر وصار الأطفال يتوافدون إليه من مناطق لا يعرفها أحد. صار اسمه يتردد في المدينة كلها ليس كمكان للتعليم فقط بل كرمز لشيء أكبر. رمزا لقصة شاب وقف يوما على مسرح رفع شهادة في الهواء وقال الحقيقة التي كسرت قلوب جميع الحاضرين أنا ما طلعت من القمامة أنا طلعت من يدين أمي. وكان العالم كله شاهدا على أن هذه اليدين صنعت مستقبلا لم يكن يتوقع له سوى الانكسار فإذا به يتحول إلى نور يضيء طرق الآخرين.
وفي إحدى أمسيات الصيف وبينما كان ميغيل يقف وحده على سطح المركز يرى الأطفال يلعبون في الحديقة الصغيرة التي بناها لهم
سمع صوت أمه تناديه من الأسفل يا ميغيل تعال شوف! نزل مسرعا فوجد وفدا من أساتذة الجامعة يقفون أمام المركز. قال أحدهم سمعنا قصتك ورأينا ما فعلته هنا. نريد أن نكرمك. لم يعرف ماذا يقول لكنه شعر بخجل ممزوج بالفخر. التفت إلى أمه وقال بصوت منخفض يما شايفة هذا كله بدأ من يوم كنت تنزلين إلى مكب السوق قبل الشروق. ابتسمت أمه مسكت يده وقالت وكل هذا بدأ لأنك ما استسلمت.
وسار ميغيل معهم في الممر الترابي يسمع ضحكات الأطفال وينظر في عيونهم فيشعر أن العالم صار مختلفا قليلا أفضل قليلا أدفأ بكثير. لقد أصبح هو نفسه الجملة التي هزت القاعة في يوم التخرج. أصبح هو الدليل على أن الكرامة لا تشترى وأن القوة قد تنبت من أكوام القمامة وأن يدا واحدة نظيفة قادرة على انتشال روح كاملة
من الظلام.

تم نسخ الرابط