قالوا لها: دي ستّ مجنونة… بس شهادة قديمة وصورة واحدة أثبتوا إنها أمها اللي ضحّت بكل حاجة علشانها!"
غير قلبها.
أخرجت الممرضة من درج صغير علبة معدنية قديمة.
سابت دي هنا قالت لو بنتي رجعت يوما ادوها لها.
فتحت يونيس العلبة
جواها كان سوار صغير فضي محفور عليه
EUNICE.
تمالكت نفسها بالعافية عشان ما تنهارش.
يعني طول السنين دي كانت فعلا بتدور عليا
ابتسمت الأخت برناديت بحزن
أيوه يا حبيبتي.
العالم كله شافها مجنونة.
بس أنا شفت أم قلبها اتسحب من صدرها.
رجعت يونيس البيت وهي شايلة السوار كأنه أهم من كل ذهب الدنيا.
دخلت غرفتها وقفت قدام المراية لبسته في معصمها.
لأول مرة لما بصت لوجهها ما شافتش بس ملامح الأب الغني ولا الأم الأنيقة
شافت شيء من المرأة اللي كانت واقفة تحت الشمس حافية ومع ذلك مبتسمة لما تشوفها.
في المساء دخلت على أمها وأبوها وقالت بهدوء
أنا رحت المستشفى.
توترت ملامحهم.
عرفت كل حاجة اسمها حكايتها يوم ولادتي حتى السوار ده.
رفعت يدها وريتهم السوار.
مش جاية أسيب البيت ومش جاية أقول لكم مش بحبكم.
أنا
سكتوا ما عرفوش يردوا.
تابعت
بس في حاجة واحدة مش هسامحكم عليها بسهولة
إنكم خليتوني أقول مجنونة على واحدة كانت أمي.
مرت شهور صعبة.
يونيس كانت بتحاول تتصالح مع الفكرة إن حياتها مبنية على نصف حقيقة ونصف كذبة.
في يوم طلبت من أهلها ياخدوها لزيارة قبر نجوزي.
راحوا لمقابر بسيطة في أطراف المدينة.
كانت شمس المغرب بتنزل ببطء والهواء عليل.
دلهم الحارس على قبر في زاوية هادئة تحت شجرة مانجو كبيرة.
على الحجر كان مكتوب
نجوزي تشياماكا
أم أحبت ابنتها حتى آخر نفس.
ركعت يونيس على ركبتيها لمست الأرض وحست بالبرد والراحة في نفس الوقت.
ماما
الكلمة طلعت من قلبها قبل لسانها.
أنا آسفة
آسفة إني ما صدقتكيش إني جريت إني سمحت لناس تانية يحكوا حكايتك بدل ما أسمعها منك.
بس أعدك قصتك مش هتموت معاك.
نزلت السوار الفضي من معصمها باسته وحطته برفق فوق التراب.
هبت
في الليلة دي وهي راجعة في العربية كانت سامعة في أذنها نفس التهويدة القديمة اللي كانت بتخوفها زمان
بس المرة دي ما خوفتهاش.
المرة دي حست إنها حضن.
مرت السنوات.
كبرت يونيس ودخلت الجامعة درست علم الاجتماع ثم تخصصت في قضايا الأطفال المتبنين والأمهات اللي بيعانوا من مشاكل نفسية بعد الصدمات.
أسست بعد التخرج مؤسسة صغيرة ومع الوقت كبرت حملت اسم
مؤسسة نجوزي للأطفال المفقودين والأمهات المنسيات.
على مدخل المؤسسة علقت لوحة كبيرة مرسومة
امرأة بملابس بسيطة واقفة تحت شجرة مانجو حافية ماسكة في إيدها سوار فضي وبتبص لقدام وعينيها فيها دمع وفرح في نفس الوقت.
تحت اللوحة كتبت جملة واحدة
هي ما كانتش مجنونة كانت مكسورة.
كل أم تدخل المكان وكل طفل يحس إنه مش منتمي كانت يونيس تقعد معاه تسمع ما تحكمش وتقول
أحيانا اللي بنسميه جنون هو مجرد حب تقيل على
وفي إحدى الندوات وقفت على المسرح حكت جزء من قصتها من غير أسماء ولا تفاصيل فاضحة وقالت
أنا كنت البنت اللي بتجري من الست اللي واقفة على الرصيف
وبقول لأصحابي دي مجنونة.
وبعد سنين اكتشفت إنها أمي.
النهاردة كل خطوة باخدها في طريقي هي جزء من اعتذار متأخر بس صادق.
القاعة صفقت وبعض الناس مسحوا دموعهم.
في المساء رجعت مكتبها فضلت وحدها شوية وقفت قدام لوحة أمها ومدت إيدها كأنها تشدها من الإطار.
همست
ماما
النهاردة ساعدنا تلات أطفال يلاقوا أهاليهم الحقيقية وبكره هنساعد أكتر.
وكل مرة بنجمع أم وبنتها بحس إن جزء من روحك بيرتاح.
هبت نسمة هواء خفيفة من الشباك ورائحة رطبة خفيفة كأنها ريحة تراب بعد المطر.
ابتسمت يونيس حطت إيدها على قلبها وقالت بهدوء
ارتاحي قصتك مش مدفونة
أنا شاهدة عليها. وأنا بنتك مهما اختلفت الأسماء والبيوت.
وفي شارع بعيد تحت شجرة مانجو تانية كانت الريح بتهز الفروع برفق
وكأن الدنيا كلها
العالم سماها مجنونة
لكن بنتها سمتها أخيرا باسمها الحقيقي
ماما.