اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تلاحقني بعد المدرسة… كانت أمي!
تنسى التاريخ أو تتلعثم حين تسأل عن عنوان قديم فتضيق عينا الأخصائية الاجتماعية شكا. كانت ثاندي وقتها تضع يدها فوق يد أمها وتقول مش مهم العنوان. أنا العنوان. فتتسع عينا الأم بابتسامة مرتبكة وتتمتم الحمد لله.
بدأت ثاندي تدخل أمها ببطء في تفاصيل يومها صورة من عرض المدرسة مقطع من مقالة كتبتها عن الشجاعة رائحة شوربة دافئة في وعاء صغير تحمله معها وقميص نظيف اشترته من مصروف كانت تدخره لشيء آخر. وفي المقابل فتحت الأم صندوقا خشبيا صغيرا كانت تخبئ فيه فتافيت من الماضي قرطا مكسورا احتفظت به لأنها كانت ترتديه يوم ولدت ثاندي ورقة عليها تاريخ الميلاد مدونا بخط قابلة قديمة وخيطا أصفر قصيرا كانت تربطه حول معصم الرضيعة للحفظ.
في إحدى الأمسيات طلبت ثاندي أن يمشوا إلى الجسر القديم. الطريق الذي كان يعبره الخوف صار الآن ممرا بطيئا للنور. وقفت الأم عند الدرابزين الصدئ ونظرت إلى الماء المعتم وقالت هنا كنت بدعي. ماكنتش أعرف أنا بدعي لمين ساعتها كنت بقول يا رب رجع لي اسمي. أنا اسمي أم. أمسكت ثاندي بذراعها وأمالت رأسها على كتفها ورجع.
لم يكن كل شيء سهلا. بعض الجيران ظلوا يتهامسون
بعد شهرين حصلت الأم على بطاقة هوية مؤقتة وعنوان إقامة في مأوى نظيف يدعمه المركز. بعد ثلاثة أشهر التحقت ببرنامج علاج نفسي جماعي ثم تدريب قصير في مطبخ ملجأ لتعلم إعداد وجبات بسيطة للمرضى والمشردين. صارت تعود ليلا بعطر خفيف من الخبز الساخن على كفيها فتأخذ ثاندي يدها إلى وجهها كأنها تقول أنا شبعت.
في صباح يوم شتوي فتحت ثاندي خزانتها وأخرجت البطانية الصفراء القديمة التي كانت ترفض رميها منذ طفولتها رغم استهزاء البعض. غسلتها بعناية ثم حملتها إلى الأم في حقيبة قماش. ظلت الأم تمسح عليها كمن يستعيد ذرات ضوء قديم ثم قالت وهي تختنق بالعبرات أخيرا
جاء اليوم الذي وقفت فيه ثاندي وخالتها بجوارها والأم أمام موظفة مدنية تراجع الأوراق. رفعت الموظفة رأسها مبتسمة العلاقة العائلية موثقة. عندكم الحق تزوروا وترافقوا رسميا. شكرتها الخالة همست لها بكلمة سامحيني وهي لأول مرة دون حواجز فردت الأم بحضن طويل أنهى نصف معركة في القلب. أما ثاندي فكانت تنظر إلى المشهد وتفهم أن العائلة ليست دفترا مختوما فقط بل قرارا يعاد كل يوم.
في المساء جلست الثلاثة تحت شجرة الجاكراندا نفسها. علمت الأم الخالة اللحن. ضحكتا حين خانت الخالة النغمة فأعادت الأم اللازمات ببطء ثم دخلت ثاندي بصوتها في المنتصف. كان المشهد بسيطا حد الإعجاز ثلاث نساء يداوين ما انكسر بالغناء.
كتبت ثاندي بعد ذلك بأسبوع مقالا في صحيفة المدرسة عن المرأة التي كانت تبدو مجنونة. لم تذكر أسماء لم تشر إلى عناوين لكنها كتبت عن كيف يمكن للحب أن يضل طريقه ثم يعود وكيف أن الخوف قد يلبس قناع السخرية وكيف أن الحقيقة تحتاج شجاعة مضاعفة حين تجيء في هيئة أم متعبة عند الباب. تسلم المعلمة المقال وهي تبتسم ثم أعادته إليها بورقة صغيرة أنت لا تكتبين قصة أنت تعيدين تعريف
في ليلة هادئة قبل الامتحانات بأيام نامت ثاندي على كنبة الصالة وغطتها أمها بالبطانية الصفراء. توقفت لحظة عند طرف البطانية ومررت أصابعها على الشريط البالي ثم همست نامي يا نجمتي الليل قصير. لم تفتح ثاندي عينيها لكنها ابتسمت. لم تعد الأغنية حزنا يطاردها بل جسرا تمشي عليه كلما خافت أن تتوه.
وعندما هطل المطر من جديد لم يعد صوت الطرق على الزجاج مخيفا. فتحت ثاندي الباب وخرجت مع أمها إلى العتبة القديمة. تركتا المطر يغسل وجهيهما وضحكتا مثل طفلتين. قالت الأم المية دي بتشيل الغبار. ردت ثاندي وبيتفضل الأثر الأثر الحلو. شدت الأم على يدها وقالت الأثر اللي بيعرفنا الطريق لو ضعنا تاني.
لم تعد المرأة المجنونة بتاعة شارع مارولا. صار لها اسم ينادى به وموعد أسبوعي مع ابنتها وصوت يصدق حين يغني. ولم تعد ثاندي الطفلة التي تهرب. صارت الشابة
التي تتقدم خطوة حين يخاف الآخرون تمد يديها وتقول أنا هنا.
وفي آخر صفحة من دفترها كتبت بخط واضح لا يرتجف لم تكن مجنونة. كانت أما. ولم أكن يتيمة. كنت أبحث عن لغة القلب حتى سمعتها. ثم أغلقت الدفتر ووضعت الصورة القديمة بين الصفحات كعلامة