قصة الفتاة التي تخلّى عنها خطيبها يوم زفافها
جديدا حوارا أقرب نظرة أطول أو صمتا دافئا أكثر من أي كلام. بدأت إيميلي تلاحظ كيف ينظر إليها ألكسندر أحيانا حين يظن أنها لا تراه تلك النظرة التي تحمل خوفا ورغبة واعتذارا في الوقت نفسه.
في أحد المساءات عاد معها من حفلة خيرية أقيمت في أحد فنادق نيويورك. كانت الحفلة مزدحمة بالوجوه اللامعة والابتسامات المصطنعة. جلست هناك بين النساء اللواتي يتهامسن عنها فسمعت جملة طعنتها في قلبها إنها مجرد مشروع شفقة من ألكسندر. كانت الكلمة ثقيلة تخترقها كالخنجر. لم ترد لكنها حين عادوا إلى المنزل كانت تلك الكلمات قد أصبحت نارا تشتعل داخلها.
دخلت الشقة ووقفت أمامه وقالت بصوت مرتجف لكنه حاد هل هذا حقيقي هل كنت تحتاج إلى مسرحية جديدة لترضى عن نفسك هل أنا مشروع إنقاذ لصورتك أمام الإعلام
تجمد مكانه نظر إليها طويلا ثم قال بهدوء فيه وجع لو كنت أهتم بصورتي كنت خرجت من القاعة مثلي مثل الباقين. ما فعلته في ذلك اليوم لم يكن بطولة كان ضعفا لأنني ما قدرتش أشوفك بتنهاري وأعمل نفسي مش شايف.
اقترب منها بخطوة بطيئة وصوته انكسر قليلا تزوجتك لأنك رفضت
سكتت لحظة طويلة ثم قالت والدموع على خديها طيب ليه ما قلتش إنك بتحبني
أغمض عينيه وقال بصوت خافت لأني ما كنتش متأكد إني أستحقك.
تلك الجملة وحدها كانت كافية لتذيب الجليد بينهما. اقتربت منه ببطء رفعت رأسها ونظرت في عينيه وقالت ويمكن كل اللي محتاجه الإنسان في الآخر إنه يسمع الكلام ده. ثم سكتت وأطبقت على شفتيه قبلة هادئة لم تكن انفعالا بل تصالحا.
من تلك الليلة تغير كل شيء بينهما. لم يعودا غريبين في بيت واحد بل صارا يشبهان روحين وجدت كل منهما الآخر بعد طريق طويل. ألكسندر صار يعود مبكرا يحمل لها الزهور دون مناسبة يترك لها كتبا على الطاولة بعلامات تحت الجمل التي تشبهها. أما هي فقد بدأت تكتب من جديد مقالاتها في الصحف أصبحت أكثر نضجا تتحدث عن الشجاعة والكرامة والقدرة على البدء من الصفر.
وفي الذكرى الأولى لذلك اليوم فاجأها ألكسندر حين أخذها بسيارته دون أن يخبرها إلى أين. توقفت السيارة
أجاب بابتسامة دافئة لأننا هننهي الحكاية اللي بدأت هنا بس المرة دي على طريقتنا.
دخلت القاعة معه لم تكن هناك موسيقى ولا جمهور ولا عدسات. فقط هو وهي وضوء خافت يتسلل من النوافذ. وضع خاتما جديدا في إصبعها وقال المرة دي أنا اللي بختارك مش أمام الناس لكن أمام نفسي.
ابتسمت وهي تدمع وقالت وأنا كمان باختارك لأنك علمتني إن القوة مش إننا ننتقم القوة إننا نبدأ من جديد.
وقفا هناك طويلا يرقبان انعكاس وجهيهما على الزجاج والمدينة خلفهما تلمع كأنها تشهد ميلادا جديدا لهما. تلك الليلة لم تنته بالوعود بل بصمت عميق حمل في داخله كل ما لم يقل.
ومن بعدها لم يعودا حديث الناس بل صار الناس يتحدثون عنهما كمثال على الشفاء لا الفضيحة. أسسا معا مؤسسة صغيرة لمساعدة النساء اللاتي مررن بتجارب قاسية وأطلقا عليها اسم بداية. صارت إيميلي تخرج كل صباح إلى مقر المؤسسة بابتسامتها القديمة بينما كان ألكسندر يتابعها من بعيد فخورا بأن ما أنقذهما لم يكن المال ولا الشهرة
وفي مساء هادئ بعد عامين كانا يجلسان على شرفة منزلهما المطلة على النهر. قالت وهي تمسك فنجان القهوة أتدري في ذلك اليوم كنت أظن أن حياتي انتهت. ابتسم وأجابها وكنت أنا أظن أني فقدت القدرة على الشعور. لكننا كنا غلطانين. ثم أمسك بيدها وقال بخفة أنا اتعلمت إن الحب الحقيقي مش ضجة الحب سكون زي دلوقتي.
ابتسمت وأغلقت عينيها على هذا السكون الجميل الذي لم تحلم به يوما وهي تدرك أن أعظم القصص لا تبدأ بالحب بل تبدأ بالوجع. وأن أجمل النهايات هي التي تأتي حين لا ننتظر شيئا.
وهكذا كانت تلك الليلة التي خرجت فيها من القاعة مكسورة بداية حياة جديدة لامرأة تعلمت أن تشفى بنفسها ورجل تعلم أن يمنح دون خوف.
كانت النهاية بسيطة بلا صخب ولا مشهد بطولي لكنها النهاية التي انتصرت فيها الكرامة على الخيانة والحب على الغرور والحياة على السقوط.
وفي آخر سطر من قصتها
التي كتبتها لاحقا في كتابها الأول كتبت إيميلي جملة واحدة فقط
في يوم ما ظننت أن انهياري هو نهايتي لكنه كان الباب الذي عبرت