في ليلة الزفاف اكتشفت الحقيقة التي أخفتها أربعون عامًا

لمحة نيوز

ولكن في ليلة زفافنا عندما ساعدتها في فك فستانها تركت مشلولا. لم يكن في الغرفة إلا ضوء دافئ يتدلى من مصباح بقبعة صغيرة من القماش وكانت الستارة ترتجف رجفة خفيفة مع نسمة باردة دخلت من شق النافذة. امتدت يدي بطمأنينة رجل يريد أن يعلن حنانه لا امتلاكه وما إن لامست أزرار الفستان حتى انفتحت صفحة من حياتها لم أتخيلها. رأيت على ظهرها آثارا باهتة طويلة خطوطا ضيقة تتقاطع كمسارات تركتها سنوات باردة. لم تكن أخاديد جلد فحسب كانت خرائط لألم قديم. تجمدت مكاني لا خوفا ولا اشمئزازا بل كما يتجمد من يسمع حكاية ظنها من نسج الخيال فإذا بها تروى على جلده.
سحبت ليندا ثوبها على عجل كأنها تحاول أن تجمع أوراق قصة سقطت منها فجأة وارتجف كتفاها ارتجافة صغيرة راقبتها كما يراقب أحدهم طائرا يخاف من ظلاله. لم أقل شيئا اقتربت ببطء وجلست على حافة السرير لأكون في مستوى عينيها. شعرت أن أي كلمة تصدر الآن بصوت مرتفع ستنكسر كالزجاج. همست بصوت لا يكاد يسمع أنا هنا. ثم سكت. الصمت في تلك اللحظة بدا أكبر من الكلام وأكثر وفاء.
أطبقت جفنيها لحظة كأنها تمسك بالعالم لئلا يتداعى ثم فتحت عينيها وفيهما حزن قديم يتلمس سبيله

إلى الضوء. قالت الجملة التي تدور حولها بقية الحكاية كلها زوجي الراحل لم يكن لطيفا. لفظتها كمن يضع حجرا كان على صدره منذ سنين. كنت أظن أنني أفهم الألم أن سنوات الترمل التي عشتها بعد رحيل كارول علمتني كيف أتحاور مع الفقد لكنني حين رأيت الندوب فهمت أن هناك أنواعا من الصمت لا تشبه صمتي وأبوابا لا تفتح إلا على ارتجاف صادق.
أردت أن أمد يدي إلى كتفيها فترددت لحظة ثم وضعتها برفق يشبه لمسة صلاة. قلت ببطء ما كان ينبغي لأحد أن يمسك بأذى ليس أنت ليس أي إنسانة. انفجرت الدموع في عينيها ليس كصوت عال بل كنبع وجد شقا صغيرا فخرج منه. تركتها تبكي. هناك دموع لا ينبغي أن تمسح فورا ينبغي أن تترك لتقول ما لم تقله الكلمات. حين هدأت ظل الليل بيننا ساكنا إلا من أنفاسها المتقطعة التي سرعان ما بدأت تتسق مع نبضي. قالت بلهجة اعتذار قديم ظننت طويلا أنه خطئي أو أنني فعلت ما يستحق هذه الضربات. لا أحد رأى ظهري لم يرد أحد أن يرى. قلت لها أنا أراه وأعدك أني لن أرى فيه إلا إنسانة تستحق الأمان.
لم نكمل تلك الليلة كعرسان يتبارون في الفرح أكملناها كإنسانين يبدآن من الصفر. فرشت اللحاف وأشرت لها لتستلقي. تمددت على
جانبها وهي ما تزال تمسك بطرف الثوب فأمسكت بيديها وبقيت على مسافة صغيرة مسافة احترام لا مسافة جفاء. تشابكت أصابعنا وشعرت بدفء يدها يسري تدريجيا كأن حرارة صغيرة بدأت تذيب جليدا متراكما على ضفاف قلبينا. لم نقل شيئا وظللنا هكذا طويلا حتى هدأ الليل أكثر وسمعت أنفاسها تعود إلى نظام نسيته منذ زمن. غفت وأصابعها ما تزال ممسكة بأصابعي كأن كل ما تحتاجه الآن شاهد صامت على أن أحدا يسهر إلى جوارها لا ليحرس نومه بل ليحرس سلامها.
في الصباح حين اخترق الضوء الستارة بكياسة من يطرق الباب نهضت بهدوء صنعت قهوة خفيفة كما تعلمت من صديق عربي قال لي ذات يوم إن الهيل يصلح ما أفسده الليل ووضعت الكوبين على الطاولة الصغيرة. جلست إلى جوارها وحين فتحت عينيها ووقعت على وجهي بدت كأنها تتعرف إلي للمرة الثانية. ابتسمت ابتسامة مترددة وقالت خشيت ليلا أن تخسرني. قلت أنا الذي وجدك لا من يخسرك وقد وجدتك كاملة كما أنت لا كما حاول الألم أن يصنعك. ارتخت ملامحها ومدت يدها إلى كوبها كمن يمسك شيئا لا يريد أن يضيع منه ثانية. لم نتكلم كثيرا لكن الحضور كان كاملا وكفى.
على الغداء رن الهاتف. كانت ربيكا تسأل أبي سمعت أنكما
عدتما مبكرا من الرحلة. هل كل شيء بخير قلت كل شيء بخير ليندا تحتاج فقط إلى بعض الراحة. قالت أريد أن أراها اليوم. في المساء جاء دانيال أيضا. وقف الاثنان عند عتبة الصالة يتلفتان وكأنهما يخشيان أن يلمسا الهواء. تقدمت منهما قلت لهما ببساطة فيها شيء من الحزم إن أردتما أن تبقيا فاعلما أننا هنا لنتعلم شكلا جديدا للأسرة شكلا يبنى على الأمان. ليندا امرأة عانت كثيرا ومن اليوم سنحميها. نظر إلي دانيال بقلق لا يعرف الكلام ثم هدأ. أما ربيكا فاقتربت من ليندا ببطء وجلست إلى جوارها وقالت بصوت خفيض يشبه سرا إن احتجت شيئا أنا هنا. سنجرب وصفة جديدة الأسبوع المقبل وإذا لم تعجبك نغضب معا من الطبخ ونطلب طعاما جاهزا. ضحكنا ضحكة صغيرة لكنها بدت لي أكبر من معظم ضحكاتي منذ سنوات.
أدركت في الأيام التالية أن بيتا واحدا يمكن أن يحمل أكثر من ذاكرة دون أن يتكسر. صورة كارول بقيت عند النافذة كانت رائحة خيوطها في صندوق الحياكة تخرج كلما فتحته ليندا لترتب خيوطا جديدة. لم تطلب ليندا مكانا بدلا عنها طلبت مكانا إلى جوارها وأنا أحببت هذا الطلب لأن قلبي لا يعرف كيف يسقط أحدا ليبقي آخر. ذات مساء سألتني ربيكا سؤالا
أشعر بوجعه
تم نسخ الرابط