قصة المرأة التي دُفعت إلى البحر… فعادت تحمل الحقيقة
كانت واقفة أمامهما كأنها قادمة من باطن البحر لا من بابه الماء يقطر من أطراف شعرها الأبيض على الرخام فيرسم خطا باردا يشق الصالة حتى قدمي مارك وفانيسا وعيناها تقدحان بوميض صامت لا يشبه الغضب وحده بل يشبه الحكم بعد المداولة. لم تتكلم أولا. تركت الصمت يفعل ما لا يفعله الصراخ. ثم قالت بنبرة هادئة كأنها تقرأ من ورقة الذي يدفع أمه إلى البحر لا يعرف أن البحر يعيد ما يلقى فيه حين يشتهي العدل.
تراجع مارك خطوة بلا وعي. ابتلعت فانيسا ريقها وهي تلتفت إلى الباب تبحث عن تفسير مادي لما تراه. رفعت إلينور يدها من دون ارتجاف ومسحت قطرة ماء سالت قرب عينيها ثم مشت بينهما ببطء تركت أثرا مائيا على الأرض كأنه خط قلم على صفحة محضرة للشهادة. توقفت عند خزانة صغيرة من الخشب الداكن قرب الممر فتحت الدرج الأوسط من دون أن تنظر كأن أصابعها تعثر على ما تريدها الذاكرة لا البصر. أخرجت جهاز هاتف قديما مغطى بكيس بلاستيكي وضعته على المائدة ولامست الشاشة. انطلقت من الهاتف نقرة ثم تلتها صورة ثابتة لكاميرا على السقف فوق التراس تلتها لقطة أخرى لكاميرا مخبأة في مزهرية حجرية عند الحافة ثم لقطة ثالثة من زاوية مقابلة تظهر اليد التي دفعتها والابتسامة المتجمدة على وجه فانيسا. ارتجفت أنفاس مارك وامتقع لونه. ضغطت إلينور على الشاشة فسمعوا أصواتهم
رفعت نظرها إليهما وقالت في تلك اللحظة التي دفعتني فيها يا مارك لم أكن وحدي. البحر كان شاهدا والعدسات كذلك. أما أنا فأنا التي وضعت الكاميرات منذ شهرين حين بدأت رائحة الجشع تفوح من حديثكما عن وصية لم تفتح بعد. فتح مارك شفتيه ليقول اعتدال هذا ليس فقاطعته ليس سوء فهم. هذه أدلة.
جلست على طرف المقعد نزعت خاتما رفيعا من إصبعها ووضعته بجوار الهاتف. لمع الحجر الأخضر في الخاتم تحت ضوء الثريا كعين لا تنام. قالت بهدوء هذا الخاتم يسجل الصوت منذ النهار. وفي جيبي ساعة صغيرة فيها شريحة اتصال ترسل نسخة من التسجيل إلى البريد الإلكتروني للمحامي في اللحظة التي أتوقف فيها عن الحركة لمدة ثلاث دقائق. كنت أعلم أنكما لن تتركا لي وقتا لإجراء الاتصالات المعتادة فتركت التكنولوجيا تتكفل بذلك.
اقتربت فانيسا خطوة وقد ظنت أنها وجدت ثغرة لكن الشرطة نحن في جزيرة من سيأتي رفعت إلينور رأسها قليلا وقالت بابتسامة لا تخلو من أسى اتصلت بخفر السواحل لحظة صعدت السلم الحجري تحت التراس. ظننتما أن الأمواج ابتلعتني لكن التيارات سحبتني إلى الخليج الصغيرالذي أنقذني فيه صياد عجوز يعرفني منذ اشترينا هذه الفيلا. سلمته مظروفا أبيض اليوم صباحا
حاول مارك أن يستعيد توازنه اقترب خطوة ومد يده كأنه يستعطف أمي لقد لقد فقدنا أعصابنا. كانت مزحة ثقيلة فحسب قطعت كلامه بنظرة واحدة. لم يكن في وجهها قسوة كان فيه ما هو أثقل اليقين. المزحة لا تكتب في جدول التحويلات البنكية يا مارك. ولا تنسق مواعيدها مع حجوزات الطيران ولا تبدل أقفال الخزنة قبل ليلة من السفر.
أشارت برأسها إلى ظرف مختوم على طرف المائدة. هذا كشف بتحويلاتكما من حساب الشركة إلى حساب وسيط باسم شركة وهمية مسجلة في ولاية بعيدة ومنه إلى حساب سري فتحته فانيسا قبل شهر. المحاسب الداخلي الذي كنتما تظنانه في صفكما يعمل لدي منذ ثلاثين سنة. الصبر ليس فضيلة فقط الصبر محكمة.
ارتبكت فانيسا حاولت أن ترسم على وجهها صلابة مستعارة وقالت تظنين أن هذه التسجيلات تكفي سنقول إنك تعثرت كان ظلام كان حادثا. سكتت إلينور لحظة ثم قالت بنبرة منخفضة الحادث الوحيد الذي سيقع الليلة هو سقوط الأقنعة. البصمات على الدرابزين آثار الحذاء على الحافة رسائلكما المحذوفة
هنا تغير الهواء في المكان. لمعت عينا مارك فجأة وصية ماذا فعلت يا أمي قالت وهي تنقل نظرها بينهما نزعت كل تفويض مالي أعطيته لك منذ العام الماضي وجمدت إمكانية البيع دون توقيعين توقيعي وتوقيع المحامي. وغيرت المستفيدين من الصندوق الاستئماني لم تعودا فيه. أموالي ستذهب إلى مؤسسة تحمل اسمي لدعم النساء الكبار اللواتي يواجهن عنف الأقارب وإلى برنامج دراسي لأطفال العاملين لدي منذ عقود. أما أنتما فقد تركت لكما فرصة واحدة نظيفة أن تعملا وتبدآ من الصفر بعيدا عني وعن اسمي.
شهقت فانيسا وصاحت لن تجرئي! ضحكت إلينور ضحكة قصيرة بلا سخرية ولا تهكم ضحكة امرأة أنهت خوفها من الناس. جرأتكما على دفعي إلى البحر فحررت نفسي من ترددي. ثم التفتت إلى مارك وأضافت ومع ذلك كنت سأترك لك بابا صغيرا لو أنك نظرت إلي لحظة واحدة بوصفك إنسانة لا خزنة تمشي. كنت سأصدق ارتباكك لو أنك بادرت إلى الماء لإنقاذي. لكنك انتظرت أن تختفي الفقاعة الأخيرة. يا ولدي لم يعد في داخلي موضع لشك يرحم.
عند هذا الحد دوى جرس الباب الداخلي بطرقات ثلاث ثم دخل رجلان بزي بحري رسمي ومعهما شرطيان يرتديان سترة تحمل شعار الشرطة المحلية. لمحت فانيسا الخاتم يلمع من جديد ففهمت