توفيت زوجة ابنه أثناء الولادة… لكن حين حاولوا رفع النعش حدث ما لم يُصدّقه أحد
همس لنفسه وكأنه يصلي بعض الجراح لا تشفى بالزمن بل بكلمة واحدة فقط آسف.
ومنذ ذلك اليوم لم يره أحد إلا وهو يحمل وردة صغيرة يضعها كل صباح أمام صورتها في الحديقة. كان المطر يعود كل عام في نفس التاريخ يغسل الأرض وتبدو السماء كما كانت تلك الليلة. كانوا يقولون إنهم يرونه يتحدث مع الريح وإنه كلما سقطت قطرة على وجهه ابتسم كأنه سمعها تجيبه من بعيد.
مرت الشهور لكن الحزن لم يترك البيت. لم تعد الأصوات تسمع كما كانت ولا رائحة الخبز الدافئ تعبق المكان كل صباح. دونا كارمن كانت تجلس أغلب الوقت بجانب النافذة تحدق في الحديقة التي كانت إيزيلا تحبها. كانت ترى مقعدها الخشبي الصغير فارغا والزهور التي زرعتها تجف ببطء كأنها قررت أن تموت معها. كانت الأم تهمس أحيانا لنفسها لماذا أخذتها يا رب بهذه السرعة كانت وردتنا. ثم تسكت وتغالب دموعها.
أما لويس فقد تغير تماما. لم يعد يذهب إلى عمله ولم يفتح فمه في مجالس الناس. كان يخرج كل فجر قبل أن تشرق الشمس يسير إلى المقبرة بصمت يقف أمام قبرها ثم يضع الوردة ويجلس على الأرض حتى يبتل ثوبه بالماء والندى. لم يكن أحد يجرؤ أن يسأله شيئا. حتى حين حاول
في القرية صار الناس يروون قصته كأنها أسطورة. يقولون إن إيزيلا ما زالت تزوره في الأحلام وإنها تظهر في ليالي المطر عند حافة النهر. كانت عجوز من الجيران تحلف أنها رأت ظل امرأة ترتدي ثوبا أبيض تقف عند قبرها والمطر يمر فوقها دون أن يبللها. لم يصدقها أحد لكن كل من سمعها شعر بقشعريرة في جلده.
وفي مساء شتوي بعد عام من الحادثة بينما كان لويس عائدا من المقبرة لمح طفلة صغيرة عند باب البيت القديم. كانت واقفة تحت المطر وحدها شعرها ملتصق بوجهها تحمل في يدها زهرة بيضاء. اقترب منها ببطء وسألها إن كانت تائهة لكنها لم تجب. رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين تشبهان عيني إيزيلا إلى حد مرعب. ثم ابتسمت ووضعت الزهرة في يده وقالت هي لا تحب أن تبكي تقول إنها سامحتك. ثم ركضت وسط المطر واختفت بين الأزقة.
تجمد لويس في مكانه. نظر إلى الزهرة كانت من نفس النوع الذي كانت زوجته تزرعه في الحديقة. عاد إلى البيت مذهولا
بدأ يرعاها كما كانت تفعل هي. يزرع كل ربيع وردة جديدة بجانب صورتها ويكتب على لوحة خشبية صغيرة جملة واحدة سامحت فارتاحت. كانت دونا كارمن كلما رأت اللوحة تبكي وتبتسم في الوقت نفسه وتقول أرواح الطيبين لا تغيب هي فقط تغير شكلها.
وفي إحدى ليالي الصيف حين اجتمع الأهل في ساحة الدار القديمة سمعوا خرير المطر رغم أن السماء كانت صافية. خرج الجميع مذهولين فوجدوا الأرض مبللة كما لو أن غيمة مرت فوق بيتهم فقط. رفع لويس رأسه نحو السماء وقال بهدوء هي هنا جاءت تزورنا.
تلك الليلة لم ينم أحد. جلسوا يتحدثون عنها حتى الفجر وكل منهم كان يشعر بشيء دافئ يمر في صدره. لم تعد إيزيلا مجرد ذكرى مؤلمة بل صارت رمزا للمغفرة التي تغير القلوب. حتى الأطفال في القرية كانوا يسمعون من آبائهم قصتها قبل النوم فيتعلمون أن الغضب لا يعيد المفقودين وأن الندم إذا تأخر يصبح صلاة بلا صوت.
مرت سنوات وتقدمت كارمن في العمر. حين مرضت
وحين جاء يوم رحيله وجدوه في الحديقة نفسها مستندا إلى المقعد الذي كانت تجلس عليه إيزيلا مبتسما وفي يده وردة بيضاء. كان المطر ينهمر برفق كما في المرة الأولى والسماء ترسم نفس الملامح الرمادية. ظن من رآه أنه نائم. دفنوه بجانبها كما أوصى وفي تلك الليلة كتب أحد أبناء القرية على الحائط الحجري قرب القبور بعض القصص لا تنتهي بالموت بل تبدأ به.
من بعدها كلما نزل المطر على القرية كان الناس يشعرون بأن الهواء أنقى وأن رائحة الزهور أقوى من أي وقت مضى. الأطفال يركضون في الحقول والنساء يفتحن النوافذ والرجال يبتسمون دون سبب. كانوا يقولون إن المطر في تلك القرية مختلف لأنه يحمل غفران امرأة لم يعرفها أحد إلا بعد رحيلها ودموع رجل أدرك متأخرا أن الحب وحده لا يكفي إن لم يرافقه الصفح.
وهكذا ظلت قصتهما تروى جيلا بعد جيل كلما حل المطر وكلما تذكر أحد أن كلمة آسف قد تنقذ قلبا قبل فوات